ظهرة يشف ظاهره عن باطنه ويتمثل قلبه في لسانه. عمله في النور دائما، ليس للدس ولا للجاسوسية رواج عنده.
صدق في القول حتى لم يأخذ عنه أستاذ ولا طالب كذبة، وإرادة جبارة تستهين بالشهرة والمنصب والمرض، وعدل دقيق مضمن مع من يحب ومن يكره، مع ذي الحول ومن لا حول له، لا يبالي من يعادي متى صادق الحق. من طلب منه غير الحق رده في أناة، فإن أعاد عليه الرجاء رده في جفاء.
هذا إلى صراحة في القول نادرة شعرنا بمرارتها لما شاع عندنا من نعومة في المعاملة وغلو في المجاملة - لا يجد التردد إلى نفسه منفذا، إن قال: لا فلا إلى الأبد أو نعم فنعم لا إلى حين.
وهو في سياسته سيكولوجي ماهر، يشتد ويلين، ويوعد ويعد، ويعبس ويبسم بميزان دقيق، يعالج فلا يخطئ في العلاج، تارة بالسم وطورا بالترياق. شعر طلبته بأنه كبير العقل كبير النفس دقيق النظر دقيق العدل، فهابوه، وشعروا بأنه يستر وراء ظاهره غير الناعم قلبا رحيما فأحبوه، فكان من ذلك هيبة وحب قل أن يجتمعا لرئيس.
هل رأيت مثله كثيرا ناظرا يرى كل طالب أن علم ناظره بجريمته أكبر من كل عقوبة، ويتمنى أن يعاقب على يد غيره ضعف العقوبة على يده؟ أو رأيت ناظرا فزع طلبته لخروجه من بينهم كما فزعوا يوم خروجه حتى كاد يقضى عليهم من الغم؟ أو رأيت جزعا يفتك بالصبر وحزنا يقلقل الأحشاء كالذي كان عند وفاته؟ •••
ولم يكن ما يعانيه من شئون المدرسة في الخارج بأقل مما يعانيه في شئونها الداخلية؛ فما السفينة لعبت بها الأمواج وأشرفت على الغرق يحاول ربانها النجاة بها، ولا البيت تلتهم النيران ما حوله ويعمل صاحبه على الحيطة له، يعادل ما كانت تعاني مدرسة القضاء من أغراض عديدة وسلطات قوية تريد القضاء عليها، ومع ذلك ظلت المدرسة زهرة المدارس ما بقيت في حماه.
تسلمها نواة صغيرة وسلمها شجرة يانعة.
ومن غريب أمره أنه مع كل ما يعمل ويعاني لا تكاد تسمع له حديثا عن نفسه! تكون المدرسة في أحرج أوقاتها وهو يعمل بجد، ويهرب بها من المعارف إلى المجلس الأعلى للأزهر، ومن المجلس الأعلى إلى الحقانية، ويعاني في ذلك الأمرين؛ فإذا جلست إليه سمعت كل شيء إلا أنه عمل أو عانى، وإذا ظفر بطلبته لم تظفر منه أنت بكلمة يحدثك بها عن نفسه.
هذا عاطف لمن يعرفه، وهذا عاطف الذي غاب عن مدرسة القضاء ليطلع في أفق المعارف فغاب في مشرقه.
فاللهم كما قدرت علينا عظيم الرزء فقدر لنا جميل الصبر، وكما سلبت الأمة عظيما فعوضها عظيما، وأحسن إليه كما أحسن إلى أمته.
| محضر جلسة
تذاكر جماعة - من ذوي الرأي - في الأدب العربي وحاجته إلى الإصلاح، وفيما له من ثروة قديمة قيمة تحتاج إلى الإحياء، واقترحوا أن يكونوا جمعية للأخذ بناصر الأدب ونشر ذخائره؛ وكان من بينهم من ينتسب إلى الجامعة الأزهرية، ومن ينتسب إلى الجامعة المصرية، ومن ينتسب إلى المجمع اللغوي، ومن هو عضو في لجنة التأليف والترجمة والنشر، ومن يتصل بدار الكتب، وغيرهم؛ وصحت عزيمتهم على ذلك، وعهدوا إلى أحدهم بوضع مشروع قانون للجمعية يحدد غرضها، ويوضح نهجها، واختاروا يوم 15 ديسمبر سنة 1936 الساعة الخامسة بعد الظهر لقراءة المشروع.
فلما حان الموعد حضر واحد فقط، وخيل إليه أنه أخطأ اليوم، أو أخطأ الساعة، أو أخطأ المكان، فأعاد قراءة الدعوة فإذا كل شيء من الزمان والمكان صحيح. وبعد ربع ساعة حضر آخر. فتبادلا العجب من عدم حضور الأعضاء في الموعد.
وأخذ من تأخر يلقي محاضرة قيمة في المحافظة على الزمن، وكيف هي عند الإنجليز والفرنسيس والألمان، وما جرى له من أحداث في هذا الباب أيام كان في أوربا، وحاجة المصريين إلى معرفة قيمة الوقت؛ وقد استغرقت محاضرته القيمة ربع ساعة كان قد حضر أثنائه عضوان آخران فاشتركوا جميعا في الحديث في هذا الموضوع، وكل يروي نادرة فيه طريفة، وقصة ممتعة؛ وتختم النادرة أو القصة بضحكات عالية يدوي بها المكان، وتتخلل الضحكات تعليقات على ما يروى تسلسل الضحك وتتابع الفكاهة.