أن العنصر العربي بطبيعته أبعد العقول عن الفلسفة والنظر فيها؛ فالزمن الذي كان يسود فيه العنصر العربي - وهو عهد الخلفاء الراشدين - لم تكن فيه فلسفة، ولم يظهر البحث العلمي ولا الفلسفة إلا حين انتصرت الفرس ونصروا العباسيين على الأمويين وسلموهم زمام الملك، ونقلوا الخلافة إلى العراق، مهد التمدن الفارسي القديم.
وختم محاضرته بالإشادة بقيمة العلم ودعوة الأمم كلها شرقية وغربية إلى الهجوم عليه، «فالعلم روح كل هيئة اجتماعية، وبه تتقدم الأمم، وبه يتحقق العدل، وبه يستخدم العقل القوة ... وهو لا يساعد إلا على التقدم المؤسس على حرمة الإنسان وحريته».
نشرت هذه المحاضرة في جريدة «الديبا» فأثارت خواطر المسلمين والمستشرقين والباحثين في شؤون المسلمين.
فكان ممن رد عليه الأستاذ «مسمر» رئيس البعثة المصرية بفرنسا إذ ذاك، وفي رده كاد يسلم بالمسألة الأولى، وهي أن المدنية العربية ليست مدنية العرب وحدهم بل مدنية الأمم المختلفة التي دخلت في الإسلام، وفي المسألة الثانية قال إنه ليس في دين الإسلام وتعاليمه ما يمنع المسلمين من التقدم العلمي، وقد تقدم المسلمون في عصور مختلفة ولم يمنعهم دينهم من أن يتفوقوا على المسيحيين في بعض تاريخهم، وكل سائح الآن يسيح في البلاد الإسلامية يشعر بنهضة الشرق وأخذه بأساليب التقدم والإصلاح، من غير أن يصدهم دينهم عن ذلك. ثم قال: «ومن الغريب أنه قبل أن يلقى المسيو رينان خطبته بيومين ألقى بعض العلماء العظام أمام المحفل نفسه محاضرة اشتملت على مكتشفات العرب في علم الحياة - وقد نشرت هذه المحاضرة في المجلة العلمية ... وهي محاضرة ترشدنا إلى حقيقة التمدن الإسلامي في القرون المتوسطة، فلو اطلع المسيو رينان عليها وعلى ما كتبه «سديو» و«دوزي» في مؤلفاتهما عن العلوم والآداب والفنون والصنائع المنسوبة إلى العرب، وعرف ما عملته هذه الأمة في العلم، مما لا يحصى عدده، بينما كانت أوروبا منغمسة في التوحش والجهالة ما نسب إلى العرب ما نسب، وهذا العلم تقدم بمعونة الدين لا رغما عن الدين. فإذا كان الإسلام سمح للنساطرة والمجوس واليهود في دولته بهذا التقدم العلمي الذي ذكره مسيو رينان فلماذا لا يكون سببا في حمل ملايين المسلمين الآن على الأخذ بأسباب العلم - وأما المسألة الثالثة فلم يعرها مسيو مسمر كبير اهتمام في الرد.
وقد تحمس الشباب المسلم في باريز لمقال رينان ورد مسمر فاجتمعوا وكلفوا أحدهم حسن عاصم «حسن باشا عاصم فيما بعد» تعريب المحاضرة والرد عليها فعربهما، وقال في أول ذلك: «لما كان الذب عن الدين فرضا على الإنسان، وحب الوطن من الإيمان، اجتمع جم غفير من طلبة العلم المصريين المقيمين بفرنسا وكلفوا أخاهم العبد الفقير «حسن عاصم» بتعريب الخطبة التي ألقاها رينان ... طعنا في دين الإسلام والأمة العربية، وبتعريب ما كتبه الفيلسوف الكبير صاحب الفكر الصائب المسيو مسمر ... والغرض أن نقف على الطعن والرد كل من كان على دين الإسلام أو من الأمة العربية، ويمكنهم تفنيد كلام المسيو رينان فيفعلون إظهارا للحق»؛ كما عرب محمد مختار أحد طلبة العلوم الطبية بباريس المحاضرة التي أشار إليها مسيو مسمر.
بعد بضعة أسابيع من نشر محاضرة رينان رد الأستاذ جمال الدين عليه في «الديبا» أيضا، ولكن كان رده هادئا في بعض نقطه، فلعله لذلك لم يعجب حسن عاصم ولا إخوانه، ولذلك لم يهتموا بترجمته إلى العربية أو نشره ، فقد مدح رينان على بحثه وإنصافه وقال إنه استفاد من محاضرته استفادة كبيرة، ثم قال: «إن المحاضرة تشتمل على نقطتين أساسيتين: (1)
أن الديانة الإسلامية كانت - بما لها من نشأة خاصة - تناهض العلم. (2)
أن الأمة العربية غير صالحة بطبيعتها لا لعلوم ما وراء الطبيعة ولا للفلسفة. «فأما عن النقطة الأولى، فإن المرء ليتساءل، بعد أن يقرأ المحاضرة عن آخرها، أصدر هذا الشر عن الديانة الإسلامية نفسها أم كان منشؤه الصورة التي انتشرت بها الديانة الإسلامية في العالم، أم أن أخلاق الشعوب التي اعتنقت الإسلام أو حملت على اعتناقه بالقوة، وعاداتها وملكاتها الطبيعية هي جميعا مصدر ذلك؟ لا ريب أن قصر الوقت المخصص للمسيو رينان قد حال دون إجلائه هذه النقطة.