تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 .

وخشى أن هذا النظام الذي يدعو إليه يثير الشقاق بين المسلمين وغيرهم من أهل الديانات الأخرى في الأقطار الإسلامية، فقال: «لا يظن أحد من الناس أن جريدتنا هذه بتخصيصها المسلمين بالذكر أحيانا ومدافعتنا عن حقوقهم نقصد الشقاق بينهم وبين من يجاورهم في أوطانهم، ويتفق معهم في مصالح بلادهم، ويشاركهم في المنافع من أجيال طويلة، فليس هذا من شأننا، ولا مما ندعو إليه، ولا مما يبيحه ديننا، ولا تسمح به شريعتنا الخ».

وقادة هذا التفكير في نوع الحكومة التي يأملها، والأخلاق التي يرجوها من العزة والشمم والقوة، أن يناهض - في الجريدة - الاحتلال الأجنبي في الأقطار الإسلامية - وخاصة في مصر - بكل قوته، ويؤلب عليه في غير هوادة. وقد شغل هذا أكبر جزء من الجريدة من كتابة مقالات ورواية أخبار وتعليق عليها، واستعمل لهذا الغرض أشد أنواع التعبير، وأعنف أساليب التهييج، واستغل حوادث المهدي في السودان لإثارة الشعور وإهاجة النفوس. واستعمل إلى جانب الجريدة رسلا متخفين يذهبون إلى الأقطار المختلفة مزودين بالتعاليم التي لا يستطيع نشرها في الجريدة، فرسول إلى موسكو، ورسول إلى الحجاز، حتى أرسل الشيخ محمد عبده مرة - وهو محكوم عليه بالنفي - إلى مصر وتونس.

كان من نتيجة ذلك أن أحس من بيده السلطة على الحكومات الهندية والمصرية الخطر من الجريدة، فأمر بمنعها من الدخول، وأصدرت وزارة نوبار قرارا بالتشدد في منعها.

فلما أحست الجريدة شدة المراقبة، واستحالة وصول الأعداد إلى أصحابها إلا في القليل النادر، وفي كثير من التحايل احتجبت.

احتجبت والأسى يحز في نفس القائمين عليها؛ فلا من دعوهم لبوا الدعوة فثاروا يطلبون أن يكون أمرهم بيدهم، ولا الجريدة استطاعت أن تستمر في دعوتها حتى تؤدي رسالتها.

وبهذا انتهت مرحلة أخرى من حياة «السيد» مدتها ثلاث سنين قضاها في باريس كلها عناء، وكلها جهاد، انتهت بما أحزنه وخيب أمله، وإن كانت المعاني لا تنعدم كما أن المادة لا تنعدم.

| السيد جمال الدين الأفغاني (4)

حادثان هامان حدثا في السنين الثلاث التي كان فيها «السيد» في باريس، أحدهما اتصاله بالفيلسوف الشهير «رينان» وإعجاب كل منهما بالآخر ودخولهما معا في معركة - وإن لم تكن حامية - حول الإسلام والعرب؛ وقد فتحت صدرها لهذه المعركة جريدة «الديبا» الفرنسية الشهيرة.

فقد ألقى الأستاذ «رينان» في السربون محاضرة دارت حول نقط ثلاث: (1)

خطأ المؤرخين في قولهم علوم العرب، وفنون العرب، وتمدن العرب، وفلسفة العرب، مع أن هذه الأشياء نتاج الأمم غير العربية أكثر منه نتاجا للأمة العربية، فالتمدن أكثر من نتاج الفرس، والفلسفة أكثرها من نتاج النصارى النسطوريين والوثنيين الحرانيين، والفلاسفة الذين ظهروا في دولة الإسلام كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد لم يكن منهم من العرب إلا الكندي، فنسبة الحضارة والمدنية والعلم والفلسفة إلى العرب خطأ، وعدم دقة في التعبير. (2)

أن الإسلام لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد في الغيبيات وخوارق العادات والإيمان التام بالقضاء والقدر. ومن اشتغل بالفلسفة من المسلمين اضطهد أو أحرقت كتبه أو كان في حماية خليفة أو أمير مؤمن في الظاهر غير متدين في الباطن، ومع ذلك فما وصل إليه هؤلاء في الفلسفة ليس له قيمة كبيرة، فهو ليس إلا فلسفة اليونان مشوهة، والفلسفة التي أخذناها عن المسلمين في أسبانيا كانت فلسفة رديئة الترجمة، مشوهة الأصل، لم نستفد منها الفائدة الحقة إلا بعد ترجمتها ترجمة جديدة من منابعها الأصلية. ومع هذا يقول «رينان»: «إن في دين الإسلام تعاليم ومبادئ عالية القيمة رفيعة المقام، وما دخلت في حياتي مسجدا من مساجد المسلمين إلا شعرت بجاذبية نحو الإسلام، بل وتأسفت ألا أكون مسلما ...» ولكنه حجب العقل عن التأمل في حقائق الأشياء ... وعقول أهل البلاد الإسلامية قاصرة، وما يتميز به المسلم هو بغضه للعلوم واعتقاده أن البحث كفر، وقلة عقل لا فائدة فيه. (3)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٩٧