تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وقال:

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون .

وعلى هذه الأركان الأربعة بنى الإسلام، وكل ركن منها له الأثر البالغ في تقويم المدنية وتشييد بناء النظام، وتدعيم السعادة الإنسانية، وقد دارت حالة المسلمين رقيا وانحطاطا حسب تمسكهم بهذه العناصر وتخليهم عنها.

هذا ما عمله «جمال الدين» في حيدر أباد.

فلما حدثت في مصر «الثورة العرابية» نقلته حكومة الهند من حيدر أباد إلى كلكتا، وألزمته الإقامة فيها مخفورا مراقبا حتى انتهت الثورة بدخول انجلترا مصر، فأبيح له الذهاب حيث شاء (في غير الشرق)، فيذكر مستر «بلنت»

Blunt

أنه ذهب إلى أمريكا ليتجنس بالجنسية الأمريكية، وأقام بها أشهرا ولم ينفذ ما اعتزمه - ولم يذكر ذلك غير بلنت من مترجميه ولا الشيخ محمد عبده

1 .

ثم رأيناه في لندن سنة 1883 ولم يطل الإقامة بها، ثم سافر منها إلى باريس، وكان قد كتب إلى تلميذه وصديقه الشيخ محمد عبده، ليوافيه بها من منفاه في بيروت ففعل.

ما برنامجه؟ ماذا ينوي من العمل بعد ما جرب، وبعد ما نال من الأحداث ونالت منه؟

ها هو والشيخ محمد عبده يتشاوران فيما يصنعانه من الإصلاح.

فأما الشيخ محمد عبده فكاد يدب إليه اليأس من الجيل الحاضر، بعد أن خبر الناس في حوادث عرابي وغدرهم، وقلة وفائهم، وتكالبهم على مصالحهم الشخصية، فأشار على السيد جمال الدين أن يذهبا إلى مكان بعيد غير خاضع لسلطان دولة تعرقل سيرهما، ثم ينشئان فيه مدرسة للزعماء يختاران لها التلاميذ من نجباء الناشئين من الأقطار الإسلامية، ومن يتوسمان فيهم الخير، ثم يربيانهم على منهج قويم يختارانه، ويعدانهم للزعامة والإصلاح، قال: «فلا تمضي عشر سنين حتى يكون عندنا كذا وكذا من التلاميذ الذين يتبعوننا في ترك أوطانهم، والسير في الأرض لنشر الإصلاح المطلوب فينتشر أحسن انتشار».

لم يعجب «السيد» هذا الرأي، ورأى فيه خورا في العزيمة، وجنوحا إلى السلامة، ومبالغة في التشاؤم من الحاضر، وقال للشيخ محمد عبده: «إنما أنت مثبط»

2

ووضع «السيد» خطته، وهي إنشاء جريدة عربية في باريس، تنشر منها في العالم الإسلامي، تفهمه حقوقه وواجباته وتشعل وطنيته؛ فكان ذلك. وكان من هذا جريدة «العروة الوثقى» يكون «للسيد» فيها الأفكار والمعاني، وللشيخ محمد عبده التحرير والصياغة، وميرزا محمد باقر يعرب لها عن الصحف الأجنبية كل ما يهم العالم الشرقي، وكان وراء هذه المجلة جمعية سرية منبثة في جميع الأقطار الإسلامية، اختير أعضاؤها من بين المسلمين المثقفين المتحمسين لدينهم. ووضع لها يمين يقسمه من يدخل فيها ويتعهد فيه (بأن يبذل ما في وسعه لإحياء الأخوة الإسلامية، وإنزالها منزلة البنوة والأبوة الصحيحتين، وألا يقدم إلا ما قدمه الدين، وألا يؤخر إلا ما أخره الدين، ولا يسعى قدما واحدة يتوهم فيها ضررا يعود على الدين جزئيا كان أو كليا، وأن يطلب الوسائل لتقوية الإسلام عقلا وقدرة، وأن يوسع معرفته بالعالم الإسلامي من كل نواحيه بقدر ما يستطيع» الخ. وأنشئت للجمعية فروع في البلدان المختلفة، وكل فرع يجتمع للمذاكرة، وفي آخر كل اجتماع يتبرع الأعضاء بشيء من المال في صندوق صغير له ثقب ضيق يضع فيه كل ما تيسر خفية، حتى لا يعلم من أدى أقل ومن أدى أكثر - ولعل هذا الباب هو ما كان ينفق منه على الجريدة والقائمين بها، فقد كانت ترسل أكثر أعدادها مجانا.

أصدرا من الجريدة ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر، ظهر العدد الأول في 15 جمادى الأولى سنة 13/1301 مارس سنة 1884، وظهر للعدد الأخير في 26 ذي الحجة سنة 17/1301 أكتوبر سنة 1884.

ماذا كان الغرض من هذه الجريدة؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٩٥