تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا المذهب قديم تراه في البوذية، وعند قدماء المصريين، وعند بعض فلاسفة اليونان، وظهر في العصور الحديثة في الثورة الفرنسية؛ ودعا إليه كثير من الفلاسفة في انجلترا، وفرنسا، وألمانيا؛ وعرفه العرب قديما وسموا أصحابه «الدهريين» وحكى مذهبهم الجاحظ والشهرستاني وغيرهما من مؤرخي المذاهب.

وبانتقال الآراء الغربية إلى الشرق انتقل فيما انتقل مذهب النشوء والارتقاء. ومذهب الماديين؛ فترجم في مصر «شبلي شميل» مذهب بخنر سنة 1884، وأثار حركة كبيرة حوله. وفي الهند ظهرت طائفة تعتنق هذا المذهب وتسمى طائفة «النيتشرية» نسبة إلى نيتشر

nature (وهي كلمة إنجليزية معناها الطبيعة) وترددت هذه الكلمة وقرعت أسماع الكثيرين، كما قرعت سمع جمال الدين أيام إقامته في حيدر أباد، وسأله الأستاذ محمد واصل مدرس الفنون الرياضية بمدرسة الأعزة بحيدر آباد في خطاب يقول فيه: «يقرع سمعنا في هذه الأيام صوت «نيشر»، «نيشر»، ويصل إلينا من جميع الأقطار الهندية، ولا تخلو بلدة من جماعة يلقبون بهذا اللقب «نيشري» فما حقيقة النيشرية وما مذهبهم، وفي أي وقت ظهروا؟» فكان من ذلك تأليف هذه الرسالة.

ولكن ليس أقوم ما فيها الرد على داروين، وإنما أقوم ما فيها إثبات قيمة الدين، وضرورته للإنسان، وأثره في رقيه، وأثر الإلحاد في انحطاطه. وهذا هو ما يبلغ فيه جمال الدين الذروة.

وخلاصة رأيه في هذا الموضوع أن الدين - على العموم - أكب عقول البشر ثلاث عقائد، وأودع نفوسهم ثلاث خصال، كل منها ركن لوجود الأمم، وعماد لبناء الهيئة الاجتماعية.

العقيدة الأولى:

التصديق بأن الإنسان ملك أرضي وأنه أشرف المخلوقات.

والعقيدة الثانية:

يقين كل ذي دين أن أمته أشرف الأمم، وكل مخالف له فعلى ضلال وباطل.

والثالثة:

جزمه بأن الإنسان ورد هذه الدنيا لتحصيل كمال يهيئه للعروج إلى عالم أرفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي، والانتقال من دار ضيقة الساحات، كثيرة المكروهات، جديرة بأن تسمى «بيت الأحزان» إلى دار فسيحة الساحات، خالية من المؤلمات، لا تنقضي سعادتها، ولا تنتهي مدتها.

أما الخصال الثلاث فهي:

الحياة، والأمانة، والصدق.

ويشرح أن هذه الأسس التي أتت بها الأديان هي علة العمران، وعليها تتوقف سعادة الإنسان، وأن الماديين أو الدهريين أو النيشريين تؤدي تعاليمهم إلى إنكار هذه الأسس فتنزل الإنسان منزلة الحيوان، وتفقده الوازع على الخير، وتعده لحياة جامدة ضيقة جافة لا قلب لها، ولا سمو فيها، وفي هذا انتكاس لخلقه، وهدم لكيانه، وحرمان مما أعده الله له.

وفي الإسلام مزايا على سائر الأديان:

أولها:

صقل العقول بصقال التوحيد، وتطهرها من لوث الأوهام. فمن أهم أصوله الاعتقاد بأن الله منفرد بتصريف الأكوان متوحد في خلق الأفعال، وأن من الواجب طرح كل ظن في إنسان أو جماد - علويا كان أو سفليا - يكون له في الكون أثر من نفع أو ضر، أو إعطاء أو منع، أو إعزاز أو إذلال، ...؛ أو نحو ذلك من خرافات كل واحدة منها كافية في إعماء العقول وطمس أنوارها.

وثانيها:

أن الإسلام فتح أبواب الشرف للأنفس كلها، وأثبت لكل نفس صريح الحق في السمو ... ومحق امتياز الأجناس، وتفاضل الأصناف، وقوم الناس بالكمال العقلي والنفسي؛ فالناس إنما يتفاضلون بالعقل والفضيلة لا بأي شيء آخر. وقد لا نجد من الأديان الأخرى ما يجمع أطراف هذه القاعدة.

وثالثها:

أن الإسلام يكاد يكون منفردا بين الأديان بتقريع المعتقدين بلا دليل، وتوبيخ المتبعين للظنون ... فهو كلما خاطب خاطب العقل، وكلما احتكم احتكم إلى العقل، تنطق نصوصه بأن السعادة من نتائج العقل والبصيرة. وأن الشقاء والضلالة من لواحق الغفلة وإهمال العقل، وانطفاء نور البصيرة.

ورابعها:

أن الإسلام أوجب تعليم سائر الأمة وتنوير عقولها بالمعارف والعلوم، وفرض نصب المعلم ليؤدي عمل التعليم، وإقامة المؤدب الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر فقال:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٩٤