ويريد في السياسة أن يقتنع الشعب بحقه في الحكم؛ فإذا فهم ذلك - وهذا ما عمله جمال الدين وصحبه - طالب بالمجلس النيابي، فيعطاه بناء على فهمه وطلبه وقدرته لا على أنه منحة تمنح له، فإذا أعطيه بجهده كان أجدر بالمحافظة عليه، وحرص عليه حرصه على دمه، فاستقر وثبت، ولم تستطع سلطة ما أن تلغيه أو تهمله:
استدعاه الخديوي توفيق باشا إلى سراي عابدين وقال له: «إني أحب كل خير للمصريين، ويسرني أن أرى بلادي وأبناءها في أعلى درجات الرقي والفلاح؛ ولكن مع الأسف إن أكثر الشعب خامل جاهل، لا يصلح أن يلقى عليه ما تلقونه من الدروس والأقوال المهيجة، فيلقون أنفسهم والبلاد في تهلكة».
فأجاب جمال الدين: «ليسمح لي سمو أمير البلاد أن أقول بحرية وإخلاص إن الشعب المصري كسائر الشعوب لا يخلو من وجود الخامل والجاهل بين أفراده، ولكنه غير محروم من وجود العالم والعاقل، فبالنظر الذي تنظرون به إلى الشعب المصري ينظر إليكم، وإن قبلتم نصح هذا المخلص، وأسرعتم في إشراك الأمة في حكم البلاد عن طريق الشورى، فتأمرون بإجراء انتخابات نواب عن الأمة تسن القوانين وتنفذها باسمكم وإرادتكم يكون ذلك أثبت لعرشكم وأدوم لسلطانكم»
2
ثم خرج من عنده يخطب في هذا الموضوع ويستحث تلاميذه وأعوانه على الكتابة فيه في حماسة وقوة.
لقد رأيناه أول عهده في مصر يرى أن مجلس النواب لا قيمة له ما دام المصريون على ما هم عليه من قلة التنبه، وضعف اليقظة، وقلة الشجاعة. ثم رأيناه آخر عهده يلح في طلب الحكم النيابي يحرض عليه. فلعله رأى من الأحداث واستبداد الحكام، ونضج الأمة في السنين الثمان ما غير رأيه وعدل خطته.
لقد كان الأمير توفيق في آخر أيام اسماعيل باشا يقدره ويدين بمبادئه. وكان السيد يلتقي به في المحفل الماسوني، ويتوسم فيه الخير إذ ولى بعد اسماعيل، ولكن الخديوي توفيق لما تولى الحكم سعى إليه الساعون، وأوعز إليه الموعزون، فاجتمع مجلس الوزراء وقرر نفي السيد جمال الدين «لأنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا»، فمثلت لنا من جديد رواية سقراط، وقبض عليه وعلى خادمه الأمين الفيلسوف الأمي أبي تراب في 6 رمضان سنة 1296، 24 أغسطس سنة 1871، وأودعا في باخرة سارت بهما إلى بمباي. وكان هذا آخر العهد بالأستاذ في مصر، وإن لم يكن آخر عهدها بآرائه ومبادئه.
| السيد جمال الدين الأفغاني (3)
أقام السيد في حيدر أباد في الهند منفيا لا يسمح له بمفارقتها، ولا يستطيع أن يشترك في عمل إلا حديثا مع زائر، أو قراءة في كتاب، أو ردا على سؤال.
وفي هذه المدة ألف كتابه المشهور في «الرد على الدهريين» وعنوانه «رسالة في إبطال مذهب الدهريين، وبيان مفاسدهم، وإثبات أن الدين أساس المدنية، والكفر فساد العمران». وقد كتبها بالفارسية ثم ترجمت إلى الأردية، ثم ترجمها الشيخ محمد عبده بمعاونة عارف بالفارسية وهو تابع السيد جمال الدين، عارف أبو تراب.
رد في هذه الرسالة على «داروين» ومذهبه في النشوء والارتقاء، وعلى أمثاله ممن ذهبوا مذهبه.
وقد يعجب القارئ من تعرضه لمثل هذا البحث وهو يتطلب كما - فعل «داروين» - تخصصا في العلوم الطبيعية من جيولوجيا، وفسيولوجيا، وبيولوجيا، وأمبريولوجيا (علم تكوين الأجنة) وغير ذلك.
ولكن عذر السيد أن مذهب «داروين» قد أثار موجة من الإلحاد قوية - وإن لم يكن داروين نفسه ملحدا - وطغا في عصره مذهب المادية القائل بأن العالم له أساس واحد هو المادة، ولا شيء وراءها، وكل شيء في الحياة مظهر من مظاهرها حتى الفكر والعاطفة؛ والمادة لا تحد ولا تفنى، وقوانينها أبدية لا تتغير، وهي قديمة أزلية أبدية، وليس في هذا العالم شيء يعتريه الفناء، وإنما تتغير الأشكال؛ وبناء على ذلك فلا نفس ولا روح، ولا دين، ولا إله.