تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انظروا أهرام مصر، وهيا كل منفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوه، وحصون دمياط، فهي شاهدة يمنعه آبائكم وعزة أجدادكم.

هبوا من غفلتكم! اصحوا من سكرتكم..! عيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء.

ومنذ ذلك الحين طارت شرارة الثورة العرابية».

بهذا انقلب «الشيخ» من معلم في حجرة إلى معلم أمة: يخاطب العامة والخاصة، ورجل الشارع والمتربع في دست الوزارة.

ومن تمام برنامجه في هذا الباب أن انضم إلى المحفل الماسوني الاسكتلندي لأنه يضم كثيرا من علية القوم، لعله بذلك يتمكن من إيصال أفكاره إليهم، ويضم طائفة من المصريين والأجانب، فلعل حرية القول فيه تكون أتم، ولكن ما دخل «السيد» فيه حتى ثارت ثائرته، وأخذ يهاجمه في تصرفه، وينقده بخطبه المتوالية، غاظة من المحفل أنه وجد أعضاءه لا يحبون أن يتكلموا في السياسة فقال: «أول ما شوقني للعمل في «بناية الأحرار» عنوان كبير خطير: حرية - مساواة - إخاء، وأن غرضها «منفعة الإنسان - سعي وراء دك صروح الظلم - تشييد معالم العدل المطلق»، ولكن كنت أنتظر أن أسمع وأرى في مصر كل غريبة وعجيبة، ولكن ما كنت لأتخيل أن الجبن يمكنه أن يدخل من بين اسطوانتي المحافل الماسونية!

إذا لم تتدخل الماسونية في سياسة الكون - وفيها كل بناء حر، وإذا كانت آلات البناء التي بيدها لا تستعمل لهدم القديم وتشييد معالم حرية صحيحة وإخاء ومساواة، وإذا كانت لا تدك صروح الظلم والعتو والجور، فلا حملت يد الأحرار مطرقة، ولا قامت لبنايتهم زاوية قائمة».

وهكذا نقدها في عدم تدخلها في السياسة، وتنازع أعضائها على الرياسة، ورغبتهم في إغماض عينهم على ما يقع على الأمة من ظلم.

وأخيرا استقال من هذا المحفل، وأنشأ محفلا آخر تابعا للشرق الفرنسي؛ وسرعان ما بلغ أعضاؤه أكثر من ثلثمائة عضو من نخبة المفكرين والناهضين المصريين؛ وكان في هذا المحفل مطلق الحرية، نظم شعبه للأعمال المختلفة: فشعبة للحقانية، وأخرى للمالية، وثالثة للأشغال، ورابعة للجهادية وهكذا لكل وزارة ومصلح شعبة، تدرس كل شعبة شؤون وزارتها أو مصلحتها، وتعرف ما يقع من الظلم ووجوه الإصلاح فيها، ثم كل شعبة تتصل بالوزير المختص وتبلغه رغباتها في أسلوب حازم صريح، فكان لذلك هزة في الأندية والمجتمعات

1 .

وهكذا اتسعت دائرة نفوذه وأعماله، فقد بدأ يدرس في حجرة، ثم أخذ يسيطر على عقول مستمعيه في «قهوة»، ثم ها هو يريد أن يسيطر على الوزارات ومصالح الحكومة بمحفله. وكان يدرس في بيته كتب الفلسفة والحكمة، فإذا به في مجتمعاته ومنتدياته يشرح حالة الأمة الاجتماعية، ويبين حقوقها وواجباتها، ثم إذا به آخر الأمر يضع يده في صميم الحياة السياسية.

خلقة فيه ظهرت منذ كان شابا يلعب دوره في نصرة أمير على أمير في ولاية الأفغان، لا يقنع حتى يتزعم، ولا يهدأ حتى يضع يده على الأزرار التي تصرف الأمور، ولكنها أزرار مشحونة بالكهرباء مثيرة للاضطراب، هو لا يعبأ بها ولكنها على رغمه تنال منه.

ماذا كان يريد السيد جمال الدين في مصر؟

يريد في دراسة النظامي توسيع عقول الطلبة، وتفتيح آفاق جديدة في فهم العالم، وتعليم الحرية في البحث، وإيجاد شخصيات من الطلبة تبحث وتنقد وتحكم ؛ خالفت النص أو وافقته، خالفت المعروف المألوف أو وافقته.

ويريد في درسه العلم أن يتحرر الشعب من العبودية للحكام، ويفهموا موقفهم من الحاكم، وموقف الحاكم منهم: كل يعرف حدوده ويؤدي واجبه، فإذا تعدى الحاكم هذه الحدود قال له الشعب: «لا» بملء فيه - يريد تكوين رأي عام واسع الثقافة قوي حازم، يفهم الأمور الداخلية والخارجية، ويكون لكل ما يعرض من الحوادث العظام رأيا يقنعه ثم يفرضه على أولي الأمر حتى لا يتلاعبون به، يفهم أن من حقه أن يعيش عيشة صالحة ينعم بدخله وله غلة جهده، فإذا أخذت الحكومة منه الضرائب فعلى قدر ما تستدعيه المصالح العامة لا الشهوات الشخصية، ولذلك كان من حقه الإشراف على وجوه الدخل والخرج.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٩٢