تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتصل به الكاتب الإسرائيلي الفكة «يعقوب مصنوع» فينشئ مجلة هزيلة اسمها «أبو نضارة» ينتقد فيها سياسة اسماعيل باشا.

كل هذا كان النواة الأولى في الشرق للصحافة الشرقية والكتاب الذين يعالجون شؤون الوطن وحالة الشعوب.

وفي الحق أن الظروف التي أحادت بجمال الدين كانت مساعدة على ذلك: فالحال في مصر هي كما وصفنا من قبل، والنفوس جازعة من المراقبة الثنائية ونحوها، وإسماعيل نفسه يشجع نقد التدخل الأجنبي وإن لم يشجع نقد شخصيته، فكان يسره مقالات أمثال «الوقائع المصرية» و«مصر» و«التجارة»، ولا يسره أمثال «أبو نضارة»، فكان الأمر أن البلاد أصبحت مستودع «بنزين»، وجمال الدين «عود ثقابها»، فلما أشعله اشتعلت، ولولا هذه الظروف لخابت دعوته في مصر كما خابت في فارس والآستانة. (2)

ومسلك آخر سلكه جمال الدين في مدرسته الشعبية، وهو أحاديثه التي كان ينثرها هنا وهناك في المقهى، وفي المحافل، وفي بيوت الزيارة. وكان رحمه الله قليل الاحتفال بالأكل، قليل النوم، كثير السهر، قوي الشهوة للكلام، تواتيه المعاني ويطاوعه اللسان، فكان يجد مادة للكلام في كل شيء: في السجارة يشعلها، وفي أي منظر يراه، وفي الطفل يسأله فيجيب أو لا يجيب، وفي حادثة زواج أو حادثة طلاق. وهكذا يستطيع أن يخلق أمتع الحديث من الشيء العظيم والشيء التافه ومن كل شيء. وكانت مصر - بحمد الله - مليئة بالأحداث في هذا الزمان، فكانت تغنيه أحداثها العظام عن خلق الأحاديث المرتجلة، وكان له القدرة على أن يلهب مستمعه، فلا يزال يروح على الفح حتى يلهبه، فإذا جليسه يرى بعد الجلسة راحته في السير لا في الركوب. وفي العمل لا في السكون، كأنه يريد أن يجاوب جسمه قلبه، ويناغم عمله نفسه.

وكان له مذهب في الكلام يتفق مع شهوته؛ وهو أن يحدث من يفهم ومن لا يفهم، ومن يستعد ومن لا يستعد، كالسحاب ينزل الغيثفتنتفع به الأرض الصالحة وتسوء به الأرض الفاسدة، ولا عيب على السحاب. يقول الشيخ محمد عبده في هذا: «كان السيد جمال الدين يلقي الحكمة لمريدها وغير مريدها، ومن خواصه أنه يجذب مخاطبه إلى ما يريد، وإن لم يكن من أهله، وكنت أحسده على ذلك، لأنني تؤثر في حالة المجلس والوقت، فلا تتوجه نفسي للكلام إلا إذا رأيت له محلا قابلا واستعدادا ظاهرا».

وهذا هو السر في وجود مدرسة في مصر عجيبة تحسن السمر والحديث، وتشقيق الكلام وحسن الاستطراد، وتأخذ على السامع لبه، من أمثال محمد عبده، وسعد زغلول، والهلباوي، ولطفي السيد، وكلهم من تلاميذه في هذا الباب.

قال سليم بك العنحوري: «كان من ديدن «جمال الدين» أن يقطع بياض نهاره في داره، حتى إذا جن الظلام خرج متوكئا على عصاه إلى مقهى قرب الأزبكية، وجلس في صدر فئة تتألف حوله على هيئة نصف دائرة، ينتظم في سمطها اللغوي والشاعر والمنطقي والطبيب والكيماوي والتاريخي والجغرافي والمهندس والطبيعي، فيتسابقون إلى إلقاء أدق المسائل عليه، وبسط أعوص الأحاجي لذيه، فيحل عقد إشكالها فردا فردا، ويفتح إغلاق طلاسمها ورموزها واحدا واحد، بلسان عربي مبين لا يتلعثم ولا يتردد، بل يتدفق كالسيل في قريحة لا تعرف الكلام، فيدهش السامعين، ويفحم السائلين، ويبكم المعترضين، ولا يبرح هذا شأنه حتى يشتعل رأي الليل شيبا ... فيقفل إلى داره بعد أن ينقد صاحب المقهى كل ما يترتب له في ذمة الداخليين في عداد ذلك الجمع الأنيق».

ويقول في موضع آخر: إنه في خلال سنة 1878. زاد مركزه خطرا لأنه تدخل في السياسة، وأخذ يقرب منه العوام، ويقول لهم في أثناء كلامه ما معناه: «إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم في حجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك الرعاة حتى اليوم، وأنت تحملون عبء نير الفاتحين، وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين، تسومكم حكوماتكم الحيف والجور، وتنزل بكم الخشف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتستنزف قوام حياتكم - التي تجمعت بما يتحلب من عرق جباهم - بالعصا والمقرعة والسوط، وأنتم صامتون. فلو كان في عروقكم دم فيه كريات حيوية، وفي رءوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة والحمية، لما رضيتم بهذا الذل وهذه المسكنة ... تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس، ثم العرب والأكراد والمماليك الخ؛ وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٩١