قال الشيخ محمد عبده في وصف حال مصر قبل مجيء «جمال الدين»: «إن إهالي مصر قبل سنة 1293ه كانوا يرون شؤونهم العامة بل والخاصة ملكا لحاكمهم الأعلى ومن يستنيبه عنه في تدبير أمورهم، يتصرف فيها حسب إرادته، ويعتقدون أن سعادتهم وشقاءهم موكولان إلى أمانته وعدله، أو خيانته وظلمه، ولا يرى أحد منهم لنفسه رأيا يحق له أن يبديه في إدارة بلاده، أو إرادة يتقدم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيه صلاحا لأمته، ولا يعلمون من علاقة بينهم وبين الحكومة سوى أنهم مصرفون فيما تكلفهم الحكومة به وتضربه عليهم. وكانوا في غاية البعد عن معرفة ما عليه الأمم الأخرى سواء كانت إسلامية أو أوروبية - ومع كثرة من ذهب منهم إلى أوروبا وتعلم فيها من عهد محمد علي باشا الكبير إلى ذلك التاريخ، وذهاب العدد الكثير منهم إلى ما جاورهم من البلاد الإسلامية أيام محمد علي باشا الكبير وإبراهيم باشا، لم يشعر الأهالي بشيء من ثمرات تلك الأسفار، ولا فوائد تلك المعارف. ومع أن اسماعيل أبدع مجلس الشورى في مصر سنة 1283، وكان من حقه أن يعلم الأهالي أن لهم شأنا في مصالح بلادهم، وأن لهم رأيا يرجع إليه فيها، لم يحس أحد منهم ولا من أعضاء المجلس أنفسهم بأن له ذلك الحق الذي يقتضيه تشكيل هذه الهيئة الشورية، لأن مبدع المجلس قيده في النظام وفي العمل، ولو حدث إنسانا فكره السليم بأن هناك وجهة خير غير التي يوجهها إليها الحاكم لما أمكنه ذلك؛ فإن بجانب كل لفظ نفيا عن الوطن، أو إزهاقا للروح، أو تجريدا من المال».
كان الأدب ظلا لهذا الموقف، وصورة صادقة لهذا المنظر، فأدباء مصر أمثال السيد علي أبو النصر، والشيخ علي الليثي، وعبد الله باشا فكري تتصفح آثارهم فماذا ترى؟ غزلا في حبيب، أو رسالة إلى صديق، أو مدحا لأمير، أو استعطافا له، أو اعتذارا إليه، أو وصف سفينة، أو شكرا على هدية. أما مصر وحالة شعبه، وبؤس قومه، وظلم حكامه، وحقوق الناس، وواجبات حكومته، فلا تعثر منها على شيء.
فلما جاء جمال الدين قلب هذا الوضع وفتح للناس منافذ للقول، وسلك في ذلك مسالك مختلفة: (1)
كون جماعة من الكهول والشبان حبب إليهم الكتابة ورسم لهم خطتها، وأوحى إليهم بالمعاني الجديدة التي يكتبونها، وشجعهم على إنشاء الجرائد، يكتب فيها ويستكتب لهم من توسم فيه المقدرة. مثال ذلك أنه شجع «أديب إسحاق» - بعد أن اتصل به اتصالا وثيقا وتتلمذ له طويلا - على أن ينشئ جريدة اسمها «مصر»، وكان جمال الدين يرسم له خطة السير فيها ويكتب بنفسه بعض مقالاتها باسم مستعار هو «مظهر بن وضاح»، ثم أوعز إليه بالانتقال إلى الإسكندرية، وأنشأ بها صحيفة يومية اسمها «التجارة»، وكان جمال الدين يستكتب لهاتين الصحيفتين الشيخ محمد عبده، وإبراهيم اللقاني ، وأمثالهما، هذا إلى ما يكتبه جمال الدين بنفسه. وكان مما كتبه مقالان أحدهما في الحكومات الشرقية وأنواعها، والثاني سماه «روح البيان في الإنجليز والأفغان» كان لهما صدى بعيد. ولقيت الصحيفتان رواجا كبيرا، ولفتت إليهما الأنظار بروحهما الجديد، ثم أغلقهما «رياض باشا».
وكذلك فعل في توجيه الكتاب إلى الكتابة في الوقائع المصرية وأمثالها، فربى بذلك طائفة من الكتاب تحسن - الكتابة - وتحسن اختيار الموضوعات التي تمس حياة الأمة في صميمها؛ فيكتب «أديب إسحاق» - مثلا - تحت عنوان «أوروبا والشرق»: «قضى على الشرق أن يهبط بعد الارتفاع، ويذل بعد الامتناع، ويكون هدفا لسهام المطامع والمطالب، تعبث به أيدي الأجانب من كل جانب ...» الخ.
ويقول الشيخ محمد عبده: «إن الحاكم - وإن وجبت طاعته - هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم؛ ولا يرده عن خطئه، ولا يقف طغيان شهوته، إلا نصح الأمة له بالقول والفعل».