تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر لي أن هذه الكتب لم تكن لها قيمة في ذاتها؛ فقد كان الشيخ حسن الطويل مثلا يقرأ بعض هذه الكتب في الأزهر، وإنما كانت قيمتها في أن كل فصل من فصولها، أو جملة من جملها، كان تكأة يستند عليها الشيخ في شرح أفكاره وآرائه، والتبسط في مناحي الفكر، والتطبيق على الحياة الواقعة، ونظرته إلى العالم كوحدة، مازجا التصوف بالفلسفة بالهيئة بغير ذلك. وهذا هو ما أقنع الشيخ محمد عبده من الشيخ وطمأن نفسه إذ قال: إنه «بعد حضوره في الأزهر سنين مل الدروس المعتادة، وصارت نفسه تطلب شيئا جديدا، وتميل إلى العلوم العقلية، وكان الشيخ حسن الطويل ممتازا في الأزهر بعلم المنطق فحضره عليه ولكن لم يكن يشفي ما في نفسه، بل كانت تتشوف دائما إلى علم غير موجود ... وقرأ الشيخ حسن الطويل شيئا من الفلسفة، ولكن لم يكن يجزم بأن المعنى كذا، بل كان درسه احتمالات، حتى جاء السيد جمال الدين فوجد عنده طلبته وأقصى أمنيته».

فهذه الكتب التي قرأها إنما قيمتها في نفس جمال الدين، والدنيا تتلون بلون منظار الرائي، والطبيعة كلها مفتوحة أمام أعين الناس كلهم، ولكن لا يفهم منها إلى القليل.

ما هذا الشيء الجديد الذي وجده «محمد عبده» عند «جمال الدين» فاطمأن إليه واهتدت نفسه؟ هو ما عند جمال الدين من أصول كلية هي عماد الفلسفة، يرجع إليها كل ما يقرأ من صفحات الكتب، وهي الحكم في صحة ما يصح، وبطلان ما يبطل، ثم شخصية قوية تجزم في الحكم ولا تتردد تردد الشيخ حسن الطويل، ثم ربط جزئيات الحياة العلمية والعملية كلها برباط واحد، يفتح النوافذ كلها بعضها على بعض حتى تتألف منها وحدة، فالتصوف، والفلسفة ، والدنيا العامة، ودنيا الشخص، هذه كلها لا يصح أن يكون كل منها حجرة مغلقة على نفسها، بل لا بد أن تتقابل وتتناغم، وتؤلف دورا موسيقيا واحدا، فإذا تم هذا صح نظر الإنسان وزال عنه كثير من الشك المؤلم والحيرة المضنية، وبت فيما ينفع وما يضر، وما يعمل وما يدع، ووضحت أمامه الأعلام، واستنارت السبل، أما جملة تصح وجملة لا تصح، ومؤلف أخطأ ومؤلف أصاب، ومنطق في الكتاب ولا منطق في العمل، ونظرية في التصوف يقضها نظرية في الحكمة، وأقوال في الزهد يسلم بها في حينها، وأقوال في الحث على الانغماس في الحياة يسلم بها في حينها أيضا، فهذه كلها نظرة البدائيين الذين لا يستطيعون أن ينظروا إلا إلى السطح دون الأعماق، والأعراض دون الجوهر، والأشكال دون الحقيقة.

وفوق هذا كله كان يأخذ بيد تلاميذه فيرفعهم إلى مستوى يسيطرون فيه على الكتاب ولا يستعبدهم الكتاب، ويسمون عن قيود الألفاظ والجمل إلى معرفة الحقيقة في ذاتها ولو خالفت الألفاظ والجمل.

وكانت طريقته في التدريس عكس طريقة الشيخ محمد عبده. كان جمال الدين يحدد موضوع الدرس فقط من الكتاب، ثم يفيض في شرح الموضوع من عنده حتى يحيط به من جميع أطرافه، وبعد ذلك يقرأ نص الكتاب فإذا هو واضح ظاهر، بين فيه موضع الخطأ والصواب. أما الشيخ محمد عبده فكان يقرأ النص أولا ويتفهمه ويفهمه، ثم يفيض في التعليق عليه وفي بسط الموضوع من عنده.

هذه هي مدرسته النظامية في بيته.

| السيد جمال الدين الأفغاني (2)

أما مدرسته الثانية غير النظامية فكانت أكبر أثرا وأعم نفعا، وهي التي كان يتلقى عليه فيها زواره في بيته، وعظماء الرجال عند زيارته لهم في بيوتهم، وخاصة المفكرين والمثقفين عند تحلقهم حوله في «قهوة البوسطة»، وجمهور الناس عند اجتماعهم به في المناسبات.

في هذه المدرسة تلقى دروسه أمثال: محمود سامي البارودي، وعبد السلام المويلحي، وأخيه إبراهيم المويلحي، ومن الشباب أمثال: محمد عبده وإبراهيم اللقاني، وسعد زغلول، وعلي مظهر، وسليم نقاش، وأديب إسحاق؛ وغيرهم.

وفي هذه المدرسة حول مجرى الأدب ونقله من حال إلى حال. كان الأدب عبد الأرستقراطية، لا هم له إلا مدح الملوك والأمراء، والتغني بأفعالهم وصفاتهم مهما كانوا ظلمة فجارا؛ فكل حاكم سيد الوجود في زمانه، آت بالمعجزات في أعماله، معصوم من الخطأ فيما يأتي به، يبتز مال الناس غصبا فلا يلام على ما غصب ولكن يمدح على ما أنفق، ويقتل من شاء فلا يسأل عمن قتل ولكن يشاد بفضله إذا عفا. الفن والأدب والشعر والنثر موسيقى لطربه، وبهلوان لتسليته، وعبيد مسخرة لنهش أعدائه، ومدح أوليائه. الأديب الصغير مداح للغني الصغير، والأديب الكبير مداح للأمير الكبير - فأتى جمال الدين فسخر الأدب في خدمة اشعب؛ يطالب بحقوله ويدافع عن ظلمه، ويهاجم من اعتدى عليه كائنا من كان، يبين للناس سوء حالهم ومواضع بؤسهم، ويبصرهم بمن كان سبب فقرهم، ويحرضهم أن يخرجوا من الظلمات إلى النور، وألا يخشوا بأس الحاكم، فليست قوته إلا بهم، ولا غناه إلا منهم، وأن يلحوا في طلب حقوقهم المغصوبة، وسعادتهم المسلوبة. فخرج على الناس بأدب جديد ينظر للشعب أكثر مما ينظر إلى الحاكم، وينشد الحرية، ويخلع العبودية، ويفيض في حقوق الناس وواجبات الحاكم، ويجعل من الأديب مشرفا على الأمراء، لا سائلا يمد يده للأغنياء، وهذه نغمة جديدة لم يعرفها المسلمون منذ عهد الاستبداد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٨٩