تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد جرب «السيد» أن يبذر بذورا في فارس والآستانة فلم تنبت، ثم جربها في مصر فأنبتت.

كان من حسنات رياض باشا أن أعجب «بالسيد» ورأى فيه عالما لا من جنس العلماء، يعرف الدين ويعرف الدنيا ويجيد الفهم ويجيد القول؛ فمكن له من البقاء في مصر وسعى عند الحكومة فقررت له عشرة جنيهات شهريا.

كانت هذه السنون الثمان من أشق السنين على مصر، إذ كان حالها حال أسرة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، ولكن ربها أسرف فيما ينفق، ولم يكتف بدخله الكثير فأنفق أضعاف ما كسب مما كان يستدين، حتى إذا بلغ الغاية في الدين أخذ الدائنون يحجرون عليه، ويتدخلون في شؤونه، ويشرفون على مصادره وموارده، ولا يتركون له شيئا من حرية التصرف؛ فإذا الأسرة بائسة بعد نعيم، وشقية بعد سعادة، وإذا هي مغلولة الأيدي والأرجل والأعناق تحاول الخلاص فلا تجده، وتتلمس طريق الحرية فلا تهتدي إليه.

فقد توالت القروض التي عقدها اسماعيل باشا، ففي المدة الواقعة بين سنة 1864 وسنة 1875 بلغت الديون نحو خمسة وتسعين مليونا من الجنيهات، فجاءت بعثة كيف

Cave

سنة 1875 لفحص مالية مصر، واقترحت لضرورة إصلاحها إنشاء مصلحة للرقابة على ماليتها، وأن يخضع الخديوي لمشورتها، ولا يعقد قرضا إلا بموافقتها.

وأنشئ صندوق الدين سنة 1876 يتسلم المبالغ المخصصة للديون من المصالح المحلية، فكانت حكومة أجنبية داخل الحكومة المصرية. وأنشئ نظام الرقابة الثنائية في هذه السنة أيضا، وكان من مقتضاه أن يتولى الرقابة على المالية المصرية مراقبان: أحدهما إنجليزي لمراقبة الإيرادات العامة للحكومة، والآخر فرنسي لمراقبة المصروفات؛ وأنشئت لجنة مختلطة لإدارة السكك الحديدية وميناء الإسكندرية. وجاءت لجنة تحقيق عليا أوروبية سنة 1878 لمراعاة مصالح الدائنين الأجانب، وتدبير المال اللازم لوفاء الأقساط المطلوبة لهم.

وتطورت الرقابة الثنائية إلى تأليف وزارة مختلطة برئاسة نوبار باشا يدخلها وزيران أوروبيان أحدهما إنجليزي لوزارة المالية، والآخر فرنسي لوزارة الأشغال

2 .

ولا شك أن المال عصب الحياة، فالمشرف عليه مشرف على كل شيء، فتوفير المال لسداد الديون يتطلب الإشراف على جميع الإدارات التي تغل المال، وهذه الإدارات تحصل المال من الفلاح، فلا بد أن يكون آمنا على ماله، مهيأة له وسائل إصلاح زراعته، يعامل بالعدل في تحصيل الضرائب منه، فلا بد من الإشراف على هذه الشؤون كلها من أجل المال. وهكذا من أشرف على المال أشرف على كل شيء.

كل هذا حدث مدة إقامة «جمال الدين» في مصر، وكان من طبعه الانغماس في السياسة، ونمى هذا الطبع نشأته في بيت حكم، وانغماسه فيها أيام تنازع الأسرة المالكة في الأفغان، فكانت هذه الأحداث المصرية حافزة له على أن يعيد ما بدأ به من الاشتغال بالسياسة، وحافزة للناس في مصر على أن يجاوبوا حركته. •••

كان نشاطه التعليمي ذا شعبتين: دروس علمية منظمة يلقيها في بيته في «خان الخليلي»، ودروس عملية يلقيها بين زواره في بيته وفي بيوت العظماء حين يرد زيارتهم، وفي «قهوة البوستة» بالقرب من «العتبة الخضراء»، وحيثما تيسر له في المجتمعات.

فأما دروسه في بيته، فكان يلقيها على طائفة من مجاوري الأزهر وبعض علمائه، أمثال الشيخ محمد عبده، والشيخ عبد الكريم سلمان، والشيخ إبراهيم اللقاني، والشيخ سعد زغلول، والشيخ إبراهيم الهلباوي.

كان أكثر الكتب التي قرأها على هؤلاء وأمثالهم كتب منطق وفلسفة وتصوف وهيئة، مثل كتاب الزوراء للدواني في التصوف، وشرح القطب على الشمسية في المنطق، والهداية ، والإشارات، وحكمة العين، وحكمة الإشراق في الفلسفة، وتذكرة الطوسي في علم الهيئة القديمة، وكتابا آخر في علم الهيئة الجديدة.

هي كلها كتب فلسفة على نحو ما يتصور الفلاسفة القدماء وفي العصور الوسطى؛ فكانوا يعدون المنطق مقدمة الفلسفة أو مدخلها، ومن فروعها الألهيات والطبيعة والفلك والطب وما إلى ذلك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٨٨