أفغاني الأصل، شريف النسب، ينتمي إلى الحسن بن علي (ولشرف النسب في هذه البلاد حرمة وإجلال تفوق ما في غيرها من الأقطار). جمع إلى شرف النسب عزة السيادة؛ فقد كان أهل بيته سادة على عمالة من أعمال أفغان. ولكن ما لنا ولهذا كله، فقد تنبت النبتة الطيبة في الأرض السبخة، والنبتة الفاسدة في الأرض الصالحة، فإذا نبتت النبتة الصالحة في الأرض الصالحة اكتفينا بالتسجيل. فأسرة جمال الدين لم تنبت إلا جمال الدين، وأسرة محمد عبده لم تنبت إلا محمد عبده، وما أكثر الأسر التي تشبه أسرتيهما أو تفوقهما ومع هذا لم تنبت شيئا. فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
تعلم - كما يتعلم شباب زمانه في بلاده - الفارسية والعربية على طريقة تشبه الطريقة الأزهرية، ولا تمتاز عنها إلا بدراسته الواسعة في الفلسفة الإسلامية والتصوف كما هي عادة الفرس إلى اليوم، فكان ذلك نواة ثقافته؛ ودرس في الهند الرياضة على الطريقة العصرية، وساح سياحة طويلة في الأقطار الإسلامية إلى مكة، فأكسبه ذلك تجارب عملية واسعة، وخبرة بحياة الشرق. ووقعت بلاده في منازعات سياسية على من يتولى الملك، فانغمس فيها وتشيع لجانب منها ونام منه مقام الوزير وانتصر وانهزم، ولمس تدخل الدول، فعلمه ذلك كله السياسة وخصومتها ودهاءها وألاعيبها.
وتعلم الفرنسية وهو كبير؛ أتى بمن يعلمه الحروف الهجائية ثم انفرد بتعليم نفسه نحو ثلاثة أشهر يحفظ من مفرداتها حتى استطاع أن يقرأ من كتبها ويترجم منها، ثم توسع في ذلك أثناء إقامته بباريس ومع هذا فلم يحذقها كل الحذق.
كم من الناس علموا أكثر مما علم، وقرأوا أكثر مما قرأ، ورطنو أكثر مما رطن، ولكن لم يكن لأحد منهم شخصية كشخصيته. ذكاء متوقد، وبصيرة نافذة، وتوليد للأفكار والمعاني من كل ما يقع تحت سمعه وبصره، واستقصاء للفكرة حتى لا يدع فيها قولا لقائل. «له سلطة على دقائق المعاني وتحديدها وإبرازها في صورها اللائقة بها، كأن كل معنى قد خلق له. وله قوة في حل ما يعضل منها كأنه سلطان شديد البطش، فنظرة منه تفكك عقدها. كل موضوع يلقى إليه يدخل للبحث فيه كأنه صنع يديه فيأتي على أطرافه، ويحيط بجميع أكنافه، ويكشف ستر الغموض عنه، فيظهر المستور منه. وإذا تكلم في الفنون حكم فيها حكم الواضعين لها؛ ثم له باب في الشعريات قدرة على الاختراع، كأن ذهنه عالم الصنع والإبدع، وله لسن في الجدل، وحذق في صناعة الحجة لا يلحقه فيها أحد إلا أن يكون في الناس من لا نعرفه ...
أما أخلاقه فسلامة القلب سائدة في صفاته، وله حلم عظيم يسع ما يشاء الله أن يسع، إلى أن يدنو منه أحد ليمس شرفه أو دينه، فينقلب الحلم إلى غضب، تنقض منه الشيب، فبينما هو حليم أواب، إذا هو أسد وثاب، وهو كريم يبذل ما بيده، قوى الاعتماد على الله، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر.
أما خلقه فهو يمثل لناظره عربيا محضا من أهالي الحرمين، فكأنما قد حفظت له صورة آبائه الأولين من سكنة الحجاز. ربعة في طوله، وسط في بنيته، قمحي في لونه، عصبي دموي في مزاجه، عظيم الرأس في اعتدال، عريض الجبهة في تناسب، واسع العينين عظيم الأحداق، ضخم الوجنات، رحب الصدر، جليل في النظر، هش بش عند اللقاء، قد وفاه الله من كمال خلقه ما ينطبق على كمال خلقه
1 ».
فهم رسالته وما تتطلب من جهاد، وما تقتضيه من أعباء، فلم يرتبط بأسرة ولم يستعبده مال، وعاش لأفكاره ومبادئه، تكفيه أكلة واحدة في اليوم كله، وإن أفرط في الشاي والتدخين. أعد نفسه للنفي في كل لحظة؛ فنافيه لا يتعبه إلا شخصه. ملابسه على جسمه، وكتبه في صدره، وما يشغله في رأسه، وآلامه في قلبه.
ولقد طوف في فارس والهند والحجاز والآستانة، وأقام فيها، ولكن لعل أخصب زمنه، وأنفع أيامه، وأصلح غرسه، ما كان في مصر مدة إقامته بها من أول محرم سنة 1288 إلى سنة 1296ه (مارس سنة 1871/أغسطس سنة 1879). ثمان سنين كانت من خير السنين بركة على مصر، وعلى العالم الشرقي، لا بجمال مظهرها وحسن رونقها، وسعادة أهلها، ولكن لأنه فيها كان يدفن في الأرض بذورا تتهيأ في الخفاء للنماء، وتستعد للظهور ثم الازدهار، فما أتى بعدها من تعشق للحرية وجهاد في سبيلها فهذا أصلها، وإن وجدت بجانبها عوامل أخرى ساعدت عليها وزادت في نموها.