تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد أخذوا منا الأقلام والمداد والورق، وضيقوا علينا الخناق، وقصدوا تسميمنا واحدا بعد واحد، ولكن ظهرت نيتهم.

ولا بد أن يصلوا يوما ما إلى غرضهم. فإذا جاءكم خبر وفاتي قبل كتابي فلا تحزنوا. وأنا أرجو من الله المغفرة فقد مت فداء الوطن، وأستودكم الخالق الباقي» •••

قضى مدحت حياته كلها في الإصلاح الاجتماعي، يختار من المدنية الحديثة أحسن ما وصلت إليه من تنظيم الحكم على أساس الشورى التي تتفق وتعاليم الإسلام، ويأخذ خير أساليبها في نشر العلم وتنظيم الحياة الاقتصادية للبلاد، ويراعي في ذلك كله مستوى الأمة ومقدرتها على الامتصاص، فيعجل ما أمكن، ويؤجل ما لم يمكن إلى أن يمكن، ويحور ما يأخذه حتى يتفق وعقلية شعبه، ويلتذ من العذاب يصيبه في هذه السبيل لأنه ربطه بعقيدته الدينية؛ فالدين في نظره ليس صلاة وصوما فقط، ولكنه مع ذلك عمل الخير لشعبه، ولا خير أرقى من الأخذ بيد الأمة لتفهم حقوقها وواجباتها وتثور على من يقف عقبة في سبيل تقدمها - ومن أجل هذا كان هادئا مطمئنا مستبشرا، وهو في منفاه يرتقب الموت من ساعة إلى ساعة، يقول لأهله في بعض كتبه: إني أقرأ القرآن وأستعيد حفظه ، وأستعذب تكرار آية

ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه

وأعدها أكبر عزاء لي، وأهزأ بما أسمع من هجاء وافتراء فقلت سلمت كل أموري لربي. إن الحياة محدودة وهي كألعوبة، ومحنتنا يكافئنا عليها ربنا، ولنا أسوة في الأنبياء والأولياء الذين قتلوا أو سجنوا فصبروا على ما أصابهم.

فإذا فرغ من عباداته، دون بعض مذكراته. •••

وقد خدمت أفكاره شناعة وفاته أكثر مما خدمها جهاده في حياته، فقد ألمت النفوس الخيرة مما أصابه ألما ممضا، وتأججت النار في أفئدتهم وأفئدة من يتصل بهم، وكانت أحداث الظلم المتوالية تغذيها بالوقود، فلما التهبت النيران التهمت عبد الحميد كما التهمت من قبل عبد العزيز؛ بل لعلها أيضا هي التي التهمت فكرة الخلافة من أساسها فيما بعد. •••

والآن ننتقل بأجهزتنا إلى مصلح آخر من صنف آخر، هو السيد جمال الدين الأفغاني.

| السيد جمال الدين الأفغاني (1)

1254-1314ه/1839-1897م

لئن كان محمد بن عبد الوهاب يرمي إلى إصلاح العقيدة، ومدحت باشا يرمي إلى إصلاح الحكومة والإدارة، فالسيد جمال الدين يرمي إلى إصلاح العقول والنفوس - أولا - ثم إصلاح الحكومة، وربط ذلك بالدين. «مدحت» يرى إصلاح الشعب عن طريق إصلاح الحكومة؛ وجمال الدين يرى إصلاح الحكومة عن طريق إصلاح الشعب. مدحت يقول: إن الحكومة راع وإذا صلح الراعي صلحت الرعية، والغاية «الدستور» فإذا وضع ونفذ فالخير كل الخير للأمة؛ ويقول جمال الدين: «إن القوة النيابية لأي أمة لا يكون لها قيمة حقيقية إلا إذا نبعت من نفس الأمة، وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو مير، أو قوة أجنبية محركة له، فهو مجلس موهوم موقوف على إرادة من أحدثه»، فالعقول والنفوس - أولا - والحكومة ثانيا والغاية هما معا.

ماذا تنفع الحكومة الصالحة إذا كان الشعب غير صالح؟ لقد علمنا التاريخ، أن الحكومة لا تستقيم إلا إذا كان في الأمة رأي عام يخيفها، ويلزمها أداء واجباتها، والوقوف عند جدها، فإذا لم يكن ذلك فالطبيعة البشرية تملي على الحكام أن يستأثروا بالمنافع، وغاية ما يتوقع من الحكومة الصالحة غير المؤسسة على قوة الأمة ويقظتها أن تكون موقوتة بوقتها، فإذا زالت حل محلها من لا يصلح؛ إذ لا شأن للأمة في اختيارها، ولا رقابة لها على أعمالها.

يقول حول سنة 1296ه: «هبوا أن مجلسا نيابيا أنشئ فستجدون أن حزب الشمال لا أثر له، وسيفر الأعضاء كلهم إلى حزب اليمين، وسيكونون كلهم آلة صماء ... وسيرى كل عضو أن الدفاع عن الوطن ومناقشة الحاكم الحساب قلة أدب، وسوء تدبير، وقلة حنكة، وتهور». لا! لا! العقول والنفوس هي المقدمة، والحكومة الصالحة النتيجة. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٨٦