وكانت ولايته للشام أصعب، فقد تولاها في العهد الحميدي بعد حوادثه مع عبد العزيز واتهامه بالجمهورية، وعداء السلطان والمابين والوزراء له، كلهم يتربص به الدوائر. ثم مشاكل الشام أعقد من مشاكل العراق، فهذه مشاكلها بدو وعشائر، وعلاقته بإيران ونحو ذلك؛ أما مشاكل الشام فأخطر: أمور لبنان تتصل بفرنسا، وأمور الدروز تتصل بإنجلترا؛ ولكل دولة مصالح ومدارس وكنائس، وغير ذلك. فكان أول ما لفت نظره ما ذكر من «أن مسلميها قد فشا بينهم الجهل ... ومدارس الإفرنج تتقدم كل يوم تقدما ملموسا، وليس للحكومة سوى بعض مدارس ابتدائية يقرأ فيها الأحداث القرآن، فكتب أفكر في أمر تعليم أبناء المسلمين وإصلاح مدارسنا».
فشكل الجمعيات، وجمع الإعانات، وفتح المدارس، وأصلح المساجد وجعلها مدارس، ووضع عقوبة لولي أمر الطفل إذا بلغ ابنه السادسة ولم يرسله إلى المدرسة، واستعان بأموال الأوقاف في أمور التعليم، وتأسست في عهده «جمعية المقاصد الخيرية» وانتشرت شعبها في البلاد.
ولما حاول الإصلاح الاقتصادي والإداري اصطدم بالدول، فكانت فرنسا صاحبة امتياز لبنان، وكانت الحكومة العثمانية خصصت لها خمسة وعشرين ألف ليرة من إيراد جمارك الشام، فكتب إلى رئيس الوزارة بقطع هذا المبلغ فغضبت فرنسا؛ وهكذا وهكذا من مشاكل، والدسائس تحاك حوله، وتشاع الإشاعات بأنه يريد الاستقلال بسوريا، ويستدل على ذلك بأن هاتفا هتف «فليحي مدحت باشا»، وأن كاتبا كتب «الخديوي مدحت». ولذلك لم يتمكن من الإصلاح في الشام كما تمكن منه في العراق، مما لاقى من العناء في الداخل والخارج. فيالله للمصلحين.
وأخيرا نقل إلى أزمير، فلم يطل بها مقامه حتى كانت المأساة.
فبعد خمس سنين من وفاة السلطان عبد العزيز تحركت مسألة وفاته من جديد، وأشيعت الإشاعات أنه لم ينتحر وإنما قتل بإياز مدحت وأصحابه. وبلغ مدحت وهو في أزمير أنه يراد القبض عليه والتحقيق معه، وكتب إليه صديق له «فاخرج إني لك من الناصحين». وعرض عليه بعض أصدقائه من الأروبيين ركوب باخرة معدة وسفره إلى الخارج فرفض وقال: «كيف أرتكب الفرار لجريمة لا نصيب لها من الصحة».
وبينا هو نائم في داره إذا بالجنود تحيط به، ويقبض عليه ويرسل إلى الآستانة لمحاكمته بتهمة الاشتراك في قتل عبد العزيز.
من عهد أن تولى السلطان عبد الحميد، وهو لا يأمن جانب مدحت، ومن لف لفه، ويخشى جد الخشية أن يعيدوا معه تمثيل دور عبد العزيز؛ وبلغت به الخشية حد الهوس، فكل قوى المملكة من مال ورجال وسمع وبصر مسخرة للمحافظة على شخصه، ومراقبة مدحت وأمثاله، لأن من قدر على البدء كان أقدر على الإعادة - وأخيرا اهتدى هو وأعوانه - للقضاء على مدحت وأصحابه، إلى هذه التهمة، فدبرت محاكمتهم، ورتبت شهودهم، ورسمت خطة الإيقع بهم. وبعد محاكمة صورية حكم عليهم بالإعدام، فتوسط الإنجليز وبعض سفراء الدول فاستبدل بالإعدام النفي، ووضعوا في باخرة سارت بهم إلى جدة ومنها إلى الطائف
1 . وأهينوا من يوم خروجهم من الآستانة بالتضييق عليهم في مأكلهم وملبسهم ومنامهم؛ وسجنوا في قلعة الطائف ثلاث سنين، وأجرى عليهم العذاب ألوانا؛ وكلما مر عليهم زمن وهم أحياء زادوهم تضييقا حتى يموتوا؛ ومن اشتد من الضباط عليهم رقى، ومن أخذته الشفقه عليهم أبعد. ومدحت يرسل الكتب إلى أهله يطلب منهم مالا يقتات به، ويبذل كثيرا من الحيل في إيصالها إليهم، فإذا أرسلوه لم يصل إليه. وثمانية من سادة القوم منهم مدحت يعيشون على صحن من «شوربة» مصنوعة من الماء وورق الفجل في الصباح ومثله في المساء، يريدون بذلك أن يميتوهم جوعا فلا يموتون. وأخيرا ضاق ولاة الأمور بهم ذرعا فقرروا أن يسموهم، ولكن مدحت وصحبه يكتشفون المؤامرة.
فلما أعيتهم الحيل أوغروا بخنقه فخنق. وكان آخر ما كتب إلى أهله كتابا جاء فيه: «سيكون هذا المكتوب آخر ما أكتب فيما أظن.