وأنا كما وصفتم من أسباب عيشي وفقري، فقد اقترضت عشرة آلاف فرنك من خرستاكي في نابولي فنفدت، وأنا اليوم أسعى في قرض جديد أسد به رمقي ورمق أسرتي في الآستانة، ولكني فخور بذلك، فقد ولدت عاري الجسد، وسأموت عاري الجسد، وأنا ابن الحاج أشرف أفندي ونعم النسب، ومع هذا فلا أنتسب إلا إلى الله، وذخيرتي أني عاهدته ألا أقول إلا الحق، ولو أوصلني إلى مثل ما ألاقيه الآن من الشدائد.
وما الذي فعلت من إجرام حتى أطلب العفو؟! لقد سعيت في تولية السلطان مراد بعد عبد العزيز، فلما مرض سعيت أن يجلس مكانه السلطان عبد الحميد، وكان جلوسه مقرونا بإعلان الدستور ووضع خطط الإصلاح.
ومنذ خروجي من الآستانة وأنا أفكر في الدولة وسبيل إنقاذها من المهالك، ولا أفكر في نفسي، فماذا في هذا مما يعتذر منه؟
لقد بلغت السادسة والخمسين، ولا أمل لي في الحياة! فلم يتجاوز أسلافي الستين، فأيامي معدودة، وجل رجائي أن أعيش منفردا، وأدعو لولي النعم الأعظم».
هذه خلاصة كتاب أقل ما يوصف به أنه يعبر أصدق تعبير عن قوة مدحت وعظمته ورجولته وسمو نفسه.
لقد وصف «ناظر التشريفات» هذا الخطاب لما قرأه بأنه كالعروس عطلت من حليها، وعريت من ثيابها، ولكن أين يكون الجمال إذا لم يكن هذا جميلا؟ وفي الحق أن هناك عيونا لا ترى الجمال الحق في الإباء والشمم، وإنما ترى الجمال المتصنع في النفاق والملق.
كان يوما يصطاف في الريف عند صديق له من دوقات الإنجليز، وإذا بسفير الدولة العثمانية في إنجلترا يقابله، ويبلغه أن السلطان سمح له أن يقيم مع أسرته في جزيرة «كريد». فذهب إليها وعاش فيها مع أسرته نحو شهرين. ثم عين واليا لسوريا، ثم لأزمير، ثم كانت مأساته التي ختمت بها حياته كما سنبينه بعد. •••
هذا هو العمود الفقري في حياة مدحت، وله بجانب هذا أعمال فرعية في الولايات التي تولاها، وهي أعمال خالدة لا تزال تذكر من أهل البلاد التي عمل فيها بالحمد والثناء.
لقد ولي العراق، وولي سلانيك، وولي الشام، وولي أزمير، وكان له في كل أولئك خطة واحدة، يعمد - أولا - إلى الأشقياء الذين يعيشون بالأمن فيضربهم ضربة تنخلع منها قلوبهم وقلوب أمثالهم، فإذا الأمن شامل والهدوء عام. ثم ينشر العدل بين الناس فيطمئنون على أنفسهم وأموالهم؛ ويعمل بالشورى فيحيط نفسه بمجلس من خيرة الولاية يستشيرهم في أمورها، ويجرئهم على قول الحق في صراحة، ويعلمهم كيف يعالجون المشاكل؛ ثم يصلح الطرق ويربط الولاية بشبكة محكمة، لأن ذلك يعين على الإسراع في ضبط أمورها؛ ثم يضع الخطط لاستغلال منابع الثروة في البلاد على خير وجه، كل ولاية بما يناسبها، حتى يزيد نتاجها على نفقاتها، ويأخذ من المال الناتج لإنشاء المدارس ونشر التعليم، وهو بعمله هذا يضع نواة العلم في بلاد فشا فيها الجهل وكادت تعم الأمية.
تولى العراق سنة 1285ه/سنة 1870م في عهد السلطان عبد العزيز فأخضع رؤساء العشائر بعد عنادها، ودوخ العصاة وطاردهم في أوكارهم، ثم أصلح أداة الحكومة، فأقبل الزرع على زراعتهم، والعمال والصناع على عملهم وصناعتهم، وأنشأ أول مطبعة في بغداد، وشجع على إنشاء جريدة سماها «الزوراء»؛ وحث الشركات على العمل: فشركة تسير البواخر بين بغداد والبصرة، وشركة تسير الترام بين بغداد والكاظمية؛ وقرب المسافة بين بغداد والبصرة بتحويل مجرى دجلة، وبث المهندسين الزراعيين يدرسون حالة البلاد الزراعية، وأنشأ منتزها عاما في بغداد سماه «بستان الأمة» «ملت باغجة سي».
ومن طريف آرائه أنه عرف أن «بالنجف» كنوزا مدفونة، فيها كثير من الأحجار الكريمة، كانت تزين بها الأضرحة والمشاهد، قد أخفيت أيام هجوم الوهابيين وهدمهم للقبور، فأخرجها مدحت، وقومها الخبراء بما يزيد على ثلثمائة ألف ليرة؛ فاقترح مدحت بيعها وإنشاء خط حديدي بثمنها بين النجف وإيران (لأنه كان قد اشترك في التبرع بها كثير من الفرس)، فلم يوافقه العلماء على ذلك فبطل المشروع. كذلك من طرائفه أنه ألف مجلسا للشورى في بغداد يرجع إليه في أمور الولاية، ولم تكن الناس تألف الجهر بالرأي والشجاعة في القول، ولا تعد لهم بجانب الوالي شخصية، فجمعهم يوما وقال لهم: إني أرى الحاجة ماسة إلى استئذان الباب العالي في زيادة الضرائب لتنفيذ ما نرى من وجوه الإصلاح فماذا ترون؟ قالوا جميعا موافقون، هذا هو الرأي، وهي الحكمة؛ فكتب بذلك محضرا وختمه جميعهم؛ ثم جمعهم في اليوم الثاني وقال: لقد فكرت في أمر زيادة الضرائب فتراءى لي أنها ظلم فادح لا يستطيعه الناس، ولكن محضر أمس أرسل، فإذا رأيتم هذا الرأي صوابا كتبنا آخر ألحقناه به، وبينا الأسباب الموجبة لنقضه، فقالوا نعم الرأي ما رأيت؛ ووقعوا على الثاني كما وقعوا على الأول. فأمسك بالمحضرين هذا بيد وهذا بيد، وقال: والله ما أرسلته ولكن أردت أن أختبركم، فما قيمة المجلس إذا رجعتم دائما إلى رأيي وحده؟! ثم ألقى عليهم درسا قاسيا في الحرية وفوائدها، والشخصية وتكوينها، والاستقلال في الرأي ومزاياه.