تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخاف السلطان من الرأي العام، فطلعت الجرائد ومن ضمنها «الجوانب» ترمي مدحت بأفظع التهم، هذه تقول إنه ضبطت أوراق تدل على خيانته، وهذه تقول إنه أراد أن يجعلها جمهورية، وهذه تقول إنه قد أوقع الدولة في مشاكل خطيرة؛ وأدى الشعر رسالته، وأنشئت فيه قصائد هجاء بليغة، وأظهر كثير من المعممين ابتهاجهم، وقالوا إنه يريد فصل السلطة الدنيوية عن السلطة الدينية - والذي يقارن بين الجرائد منذ أربعة أيام وبينها اليوم يعجب لهذا الانقلاب الغريب من مديح رنان إلى هجاء رنان. وسكت الناس بين الدهشة والعجب، والشك واليقين؛ وشرد رجال مدحت ممن أخلصوا له ولمبادئه. ووسط هذه البلبلة الفكرية صدر الأمر الشاهاني بتعطيل الدستور تعطيلا مؤقتا، ولكن ألا تعرف - أيها القارئ الكريم - مدة هذا التعطيل المؤقت؟ ثلاثون سنة!!

لم يكن الرأي العام حذرا فخدر، ولا عاقلا فخدع، ولا قويا فامتهن.

| مدحت باشا (4)

هذه الباخرة «عز الدين» تمخر البحر لتقذف به في ثغر من ثغور أوروبا، وقد ضاعت كل آماله؛ فكل ما حزر من تقديره الثورة ونتائجها، والدستور وثباته، والسلطان عبد الحميد وخضوعه لإرادة الأمة، قضي عليه في لحظة، وزال من الوجود في لمحة، وعادت الدولة إلى ما كانت عليه قبل جهاده المتواصل، وكدحه المتتابع، وكل ما في يده الآن غضب السلطان عليه وعلى أتباعه، وبعده عن أهله وتجرده من ماله.

لو أن أي إنسان عادي آخر مكانه للعن الإصلاح والمصلحين، وترك الدولة تجني جزاء ظلم سلاطيتها، وانتظر حتى يتشفى بمنظر الفساد يهد أركانها، ويفتخر بأنه نصح فلم ينتصحوا، وأنذر فلم يصغوا، فارتاحت نفسه بصدق ما تنبأ، وحدوث ما أنذر.

ولكن لم يكن مدحت في شيء من هذا، فما مرت هذه الخواطر بنفسه حتى طاردها، وأخذ يفكر من جديد في وسائل إصلاح ما كان، وعجب من نفسه فوصفها بقوله: «إن حب الإصلاح قد اختلط بدمي فكان كالمرض المزمن لا يبرأ منه».

فكر سريعا، ووصل إلى النتيجة سريعا، فرأى أن روسيا تحارب بلاده وتجمع لها جيوشها الجرارة، ويذهب القيصر بنفسه إلى ميدان القتال لتحميس الجند، والدول كلها تتنبأ بنصرتها، فواجبه - إذن - أن يؤلب الدول على روسيا ما استطاع، ويبين لكل منها الأضرار التي تنالها من هزيمة الدولة العثمانية، وتعديل خريطتها. فهو في أسبانيا يتصل بساسة إنجلترا وفرنسا، ويحاول إقناعهم بآرائه، ثم يذهب إلى انجلترا لهذا الغرض، ويبرق إلى المابين يقول: «قد سعيت مدة إقامتي في عاصمة بلاد الإنجليز بما يعود على دولتنا بالنفع ويرفع شأن حكومتنا، وحاولت إقناعهم بعقد صلح يحفظ الدولة وعظمتها، وأفتخر أني وفقت إلى ذلك بعض التوفيق»؛ ثم يذهب إلى فيينا لهذا الغرض ويبرق فيقول: «أنا اليوم في (فيينا) أبذل الجهد لترويج نفس المساعي ... وآمل إخباري بما يوافق مصلحة الأمة لأستعين به على أمنيتي الوحيدة، وقد وقفت حياتي لتخليص الدولة من ورطتها، وأنا قادر على القيام بأعباء ما يطلب مني، ومصلحة الوطن تضطرني إلى ذلك».

وكانت تعترضه صعوبة أن بعض الدول ترد عليه بأنه ليس مفوضا، ولا له صفة رسمية يتكلم بها، وأنه ليس إلا رجلا منفيا، فطلب من الدول تصحيح موقفه لإتمام مساعيه فلم يجد سميعا!

وأغرب ما في الأمر بعد ذلك أن يزف إليه «ناظر التشريفات» بشرى أن السلطان ذكره بمحضره، وسأل عنه كيف يعيش؟ فقال «ناظر التشريفات»: إنه في حالة بؤس ينتقل من بلد إلى بلد، ويعيش بالقرض، فظهرت رقة قلب السلطان بكى، وقال أرسلوا له ألف ليرة؛ ثم يختم الخطاب بأنه يطلب منه شكر السلطان، وتضرعه إليه بالعفو عنه .

ظن المسكين «ناظر التشريفات» أن كل النفوس ذليلة كذلته، ملقة كملقه؛ ولكن هذا الخطاب وقع من نفس مدحت الأبية موقع السهم المسموم في الفؤاد الجريح، فهاج وثار، ورد عليه فقال: «لقد عبرتم للسلطان عن حالي بأنها حال بؤس ينتقل من بلد إلى بلد، تستدرون بذلك شفقته، وهذا وصف لا يوصف به إلا فاقد الشعور أفاق، لا رجل مثلي عمل ما عمل، وتولى الصدارة بجدارة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٨٣