هكذا قال الناس، وهكذا قال مدحت.
لعله أخطأ إذ بلغ في التفاؤل أكثر مما يلزم، وكذلك أكثر عظماء الرجال تسحرهم الفكرة، ويلعب بلبهم المبدأ فلا يرون منه إلا النواحي البراقة، كالفنان يرى في شجرة الوردة أزهارها ولا يرى أشواكها. استخف بقوة الرجعيين، ولم يعرف لطهارته أساليب دسائسهم، واقتنع بالبسمة على وجوههم، ولم ينفذ منها إلى الغل في أعماق صدورهم، ولم يقدر قوة العدد العديد الذي كان يغتني من الظلم وسيفتقر بالعدل؛ والذي كان يثري من كلمة ملق أو تسويد سطر بوشاية، فأصبح خائفا من العدل أن يجرده من ثرائه وينزله من جاهه؛ والذين يبشرون أنفسهم بالحظ لأنهم فقدوا أن ينالوا شيئا ببذل الجهد.
وشيء آخر هام فاته، وهو أن من عاش طويلا في ظل العبودية لا يتعلم سريعا مزايا الحرية، وأن الأمم السابقة إلى النظم الديمقراطية لاقت الأهوال قبل أن تعتدل، وتأرجحت كثيرا قبل أن تتوسط، والذي نفعها أنها لم يكن يطمع فيها طامع، فقضت مدة التجربة وهي آمنة مطمئنة؛ أما هذه الدولة فلا ينتظر مدة تجربتها أحد، فإذا بدأت تجرب قالوا لا تصلح، وإذا أخطأت لم يقولوا إنه عرض مفارق بل قالوا طبع ملازم.
فهذا مجلس المبعوثان يجتمع فيشتط بعض أعضائه في القول من غير حساب حتى يثير بأقواله مشاكل ومخاوف ما كان أغناهم عنها، وكل ولاية تظن أن مبعوثيها نائبون عنها لا غير وليسوا نائبين عن الأمة، وأن عليهم أن ينفذوا جميع رغائبها ولو كانت غير عادلة، ولو كانت لا تتفق ومصلحة الدولة من حيث هي كل؛ ويحمل البريد إلى كل مبعوث ما ينوء بفتحه بله قراءته: هذا يطلب عزل خصمه وتوليته بدله، وهذا يلتمس رتبة ونيشانا، وهذا راغب في وظيفة، وهذا راغب في ترقية، حتى بلغ الحال أن مكاريا سرقت دابته فبعث إلى مبعوث ولايته أن يأمر بإعادتها إليه.
وربما كان هذا طبيعيا والنظام جديد، والجهل عتيد، ولا بد من فترة تمر يفهم فيها أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، وأن مبعوث الولاية نائب الأمة أولا وولايته ثانيا، وأنه كلما خفف ناخبوه مطالبهم زادوه مقدرة على نفع أمتهم؛ ولكن أنى لهم بمن يصبر على سخاتهم، ويفسح الصدر لمرانهم، والأعداء كثيرون في الداخل والخارج وهم لهم بالمرصاد؟!
وزاد الأمر سوءا أن الروسيا إذ ذاك لم يرضها هذا الحال، فاحتجت على ذلك وتأخرت في الاعتراف بالنظام الجديد، ولعبت بالبلقان فحركته، وثارت الثورات في أنحائه، فثورة في الصرب، وثورة في الجبل الأسود والبوسنة والهرسك، والحروب قائمة، وانتصارات الدولة لا تفيدها عند الدول، وانتصارات عدوها يفيده؛ والدولة فقيرة في المال بما أسرف عبد العزيز، وفقيرة في رؤساء القواد، فقد قتل حسين عوني باشا وغيره معه بيد أثيمة، وروسيا تريد فصل البلغار عن الدولة، ولكل دولة مطامع؛ ومدحت يتحمل كل هذه الأعباء الداخلية والخارجية في صبر عجيب، فنهاره في تنظيم الشؤون الداخلية، وليله في المشاكل الخارجية، وفي ذلك يقول: «تحملت من المتاعب من يوم جلوس السلطان مراد ما يفوق القدرة البشرية، وكنت أقول ليست هذه الحياة لي بل للأمة، وقد وقع الوطن في مصائب داخلية وخارجية، فواجب أن أسعى في تخليصه من مخالبها».
وفيما هو كذلك سلم إليه أحد رجال المابين خطابا فتحه وقرأه، فإذا فيه عزله وإبعاده إلى خارج الدولة فورا من غير أن يعرج على أهله، وذلك بعد شهرين من صدارته. فألح مدحت على رجل المابين أن يراجع السلطان في بيان السبب؛ فعاد وقال : إن السلطان يقول إن المادة 113 من الدستور تخول السلطان حق إبعاد الذين ترى نظارة الضابطة سوء حالهم، وقد قام ناظر الضابطة إلى جلالة السلطان تقريرين وقع عليهما وهما هذان. ففتح مدحت أحدهما فإذا فيه: «أن جاسوسا سمع ضابطا يقول لصاحبه في إحدى المقاهي إن مدحت سيكون رئيس جمهورية» فاكتفى مدحت بهذا ولم يفتح الثاني، وقال: «إن بلادي التعيسة كمريض حضره نطس الأطباء، وعالجوه حتى كاد يبل من مرضه، فاندس عدو له فسقاه سما قضى على حياته». وصدع بالأمر وركب الباخرة «عز الدين» لتوه من غير أن يرى أهله.