هكذا فكر مدحت، وهو يشرف على الإصلاح في مزرعته، والفؤوس تضرب في الأرض، والنواعير تبكي بدموع غزار.
سارت الأمور أول الأمر كما فكر تماما، فها هو يدبر الحركة ويتصل بالشبان والشيوخ الذين سئموا هذه الحال، ويتفق معه في الرأي حسين عوني باشا (سر عسكر الدولة)، وهما يتصلان بناظر البحرية وشيخ الإسلام، ويتفق الجميع على خلع عبد العزيز في يوم معين. حتى إذا جاء اليوم أتى الأسطول فرسا أمام سراي طولمة بنجه، واجتمعت العساكر فأحاطت بالقصر، ودخل على السلطان من أبلغه خبر العزل، فاستخف بهذا الخبر، فأشهدوه العساكر والأساطيل والجموع المحتشدة فاستسلم، وأنزلوه من السراي، ووضعوه في قصر فخم ومعه والدته وثلثمائة أنثى، بين زوجات وجوار مملوكات ووصيفات وخادمات؛ واختصروا حاشيته فاستغنوا عن 1200 سائس و1000 طبلكار (حامل طبليات الطعام) و600 قواربي وأمثالهم من الخدم، وقطعت مرتباتهم للضائقة المالية التي حلت بالدولة. وبعد بضعة أيام وجد السلطان مقتولا، فقيل إنه قتل، ويرى الأكثرون، ويقرر الأطباء العديدون، ويؤكد ذلك مدحت، أن السلطان أخذته العزة فقطع شريانا من ذراعه بمقراض فمات من ذلك.
ومهما كان فقد بويع السلطان مراد، فلم تمض عليه أيام حتى ظهر جنونه واختلط عقله؛ فولي السلطان عبد الحميد بعد ثلاثة أشهر، وحمل «مدحت» عبء هذه الأحداث الفظيعة والربكة الشنيعة؛ وهو في أثناء مرض السلطان مراد يجتمع بأعوانه ويدرس قوانين أوروبا ونظمها ويختار أنسبها.
وكان في ذلك يضع إحدى عينيه على النظم الأوروبية والأخرى على حالة الدولة، فما كل ما يصلح لأوروبا يصلح لها؛ وفي ذلك يقول: «إن أخذ القانون من أوروبا ووضعه لنا لأنه أفادهم يشبه أخذ آلة من الآلات عندهم للنسيج وجلبها إلى بلادنا وليس عندنا فرد يقدر على إدارتها والاستفادة من سرعتها.
وفضلا عن ذلك فكثير من القوانين لا يوافق كل الولايات في دولتنا؛ فالقانون الذي يوافق ولايات حلب وسوريا وبغداد لا يوافق ولايات بروسه وأزمير وأدرنه؛ وقد يكون القانون في بعض الولايات عدلا، وفي بعضها ظلما، فيجب النظر إلى هذه المسألة عند تغيير القوانين.
وإن مسألة استقلال المحاكم، وأصول جباية الأموال، وقوانين الإدارة وغيرها من القوانين والنظامات، قد استعملها الإفرنج فأفادتهم بسبب رقي الأهالي ومدنيتهم؛ فقانون الأراضي مثلا يقضي علينا بتعيين المهندسين، ومعرفة مقادير أراضي بلادنا وأصحابها ووضع الضرائب اللازمة، وهذا لا يتم بواسطة كاتب واحد يتقاضى 150 قرشا في الشهر، فالإفرنج يعينون لكل قرية لجانا ومهندسين يمسحون الأراضي ويقدرون الضرائب، ونحن لا نعرف لليوم عدد سكان بلادنا ولا مقدار أراضينا.
فيجب تدريب الرجال وإلقاء أزمة الأمور إليهم بالتدريج ... كما يجب تخصيص الأعمال لكل طائفة؛ ففي أوروبا للمالية اختصاصها، وللحربية اختصاصها، وكذلك للداخلية والعدل أما عندنا فالأمور كلها منوطة بالوالي».
وهكذا عكف هو وأعوانه على هذا الإصلاح الذي يتلخص في اختيار خير النظم الأوروبية واختيار أوفقها لحالة الدولة الاجتماعية، والأخذ بيدها تدريجا، كلما ألفت خطوة انتقل بها إلى ما بعدها.
ويعد القانون الأساسي للدولة ويرتب نظام مجلس المبعوثان، فما ولي السلطان عبد الحميد حتى كان ذلك كله معدا، وتولى مدحت باشا الصادارة. وبعد أربعة أيام من صدارته بادر السلطان إلى إقرار القوانين، وأعلن الدستور المؤسس على الشورى، والمؤسس على اشتراك جميع الرعايا في شؤون تحسين الدولة من غير تفرقة بين عنصر ودين؛ ونظم للدولة مجلسان: مجلس ينتخب من الأهالي ويسمى بمجلس المبعوثان، ومجلس تعين الدولة أعضاءه ويسمى مجلس الأعيان. وتلى هذا الدستور المشتمل على 119 مادة بالآستانة في محفل عام (14 من ذي الحجة سنة 1293ه)، وأمر بأن يكون العمل بمقتضاه في جميع أنحاء المملكة العثمانية، وأطلقت المدافع عن القلاع البرية والبحرية، واستبشر الناس خيرا، وأقيمت الأفراح والليالي الملاح. وكان يتضمن هذا الدستور حقوق الدولة وواجبات الوزراء ورجال الإدارة، واختصاص كل مجلس من المجلسين، وتنظيم المحاكم والديوان العالي والمالية الخ، وكل الدلائل تبشر بالخير. هذا مدحت أبو الدستور رئيس الوزارة، وهذا السلطان عبد الحميد أتى بإرادة الأمة وهو مدين لها بجلوسه على العرش، مدحت يؤيده، وهو يؤيد مدحت، والكل يخضع للنظام والحكم الديمقراطي، فماذا ينتظر بعد ذلك إلا الخير!!