تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الشورى الإسلامية نظمت في العصر الحديث بما يسميه الأوروبيون البرلمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشكل في المدنية الحديثة بحرية الصحف في النقد، وحرية الأفراد والجماعات في التأليف وإبداء الآراء في صراحة، يستحسنون ما يرون، ويستنكرون ما يرون، ويخطبون كما يشاءون، فلا أحد معصوم، ولا الحكومة معصومة، ولا الولي معصوم؛ وإنما الذي يقومهم ويخيفهم ويلزمهم الجادة يقظة الرأي العام وحريته في النقد، وهذا هو ما سمي في القرآن: بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. كل هذا واضح وجلي ولا بد منه، ولكن إرادة السلطان عبد العزيز هي الصخرة التي تتكسر عندها كل هذه الآراء.

أرض الدولة العثمانية أخصب أرض في العالم، وهي مع ذلك أفقر أرض، لهجرة كثير من أهلها بالظلم، وإقال كاهل من بقي بالضرائب. ولا شركات، ولا مصانع؛ فالقطن كثير في البلاد ومع هذا فالأقمشة القطنية تجلب من أوروبا، حتى الطرابيش التي نضعها على رءوسنا، وعلب الكبريت التي نشعل بها نيراننا نجلبها من الخارج؛ وكل المواد الأساسية متوفرة عندنا، ولكن لا عدل، ولا أمن على المال، فلا شركات ولا صناعات. ولا يتأتى العدل إلى بالقوانين العادلة، والمحاكم العادلة، وهذه لا تكون إلا بالحرية، أي الدستور. كل من جاهر بالإصلاح أبعد؛ ففؤاد باشا مات محتقرا مهينا، وعالي باشا دست له الدسائس حتى عزل من منصبه، وهما ماهما في الكفاية والاستقامة؛ وإما يقرب أمثال محمود نديم الشره الجاهل الذي يقدم مال الدولة للسلطان، ثم ينتهب لنفسه ما نالته يده.

رحم الله فؤاد باشا وعالي باشا، فقد رأيا أن السلطان لا يسمع لقولهما في الإصلاح، ففكرا في حيلة لطيفة: أن يشوقا السلطان عبد العزيز لزيارة أوروبا، وينتهزا فرصة زيارته للعواصم الأوروبية فيبينا له ما وصلت إليه من النظام والتقدم، ويشعراه من طرف خفي بأن سبب هذا كله حسن الإدارة وصلاحية الحكم، لعله إذا عاد تحفزت نفسه لحسن التقليد، فأصغى إلى المصلحين وشجعهم على الإصلاح، وسار في أموره غير سيرته، والتفت إلى رعيته؛ ولكن خاب فألهما فقد عاد أشد إسرافا، وأكثر تبذيرا في ملذاته. عاد ووعد ثم أخلف ما وعد؛ وكل ما فعل أن حقد عليهما لأنهما أشارا عليه بانتخاب مجلس في كل ولاية يجدد كل سنة لمشاركة الوالي في أعماله، وبذل النصح له، فرأى أنها فكرة شيطانية يراد منها التدرج إلى البرلمان أو الدستور، ذلك الشبح المخيف. وكل ما جنته البلاد من هذه الرحلة إنشاؤه مصانع ومتاجر باسم خزانته الخاصة لا باسم الشعب. ثم هذا السلطان يستدين ويستدين؛ فقد كانت ديون الدولة في آخر أيام السلطان عبد المجيد 25 مليون ليرة، فبلغت بعد 12 سنة - بفضل عبد العزيز - 250 مليون ليرة، فما مصير الدولة إذا استمر الحال على هذا المنوال؟! يظهر أن لا أمل في الإصلاح مع وجود «عبد العزيز»، بل لا أمل حتى ولو أصدر لوائح الإصلاح، وأوامر إنشاء القوانين للمحاكم والنظم للمدارس، فقد جربناه فرأيناه يطأطئ للعاصفة حتى تمر، فإذا مرت عاد سيرته الأولى ، وحل ما عقد، ونقض ما أبرم.

لم يبق إلا أمر واحد، وهو تهيئة النفوس لعزله، ووضع الخطط المحكمة لإنزاله عن عرشه؛ ومع الأسف لا يمكن أن يتم ذلك إلا بالجيش، وفي هذا خطورته، ولكن قد تعلمت في جامع الفاح أن الضرورات تبيح المحظورات. فإذا تمت الأمور وعزل عبد العزيز، وأقيم مكانة سلطان جديد أقامته الأمة بقوتها، وأعلن - يوم توليته - الدستور، شعر بأن الأمر بيد الأمة فأطاعها، وأنه مدين لعرشه بالدستور فاحترمه، وسارت الأمور سيرا حسنا: دستور نافذ، وسلطان مطيع؛ وبدأنا حياة جديدة كلها خير على الأمة، وسرنا في الطريق الذي سارت فيه الأمم الحية، نأخذ محاسنهم، ونتجنب أخطاءهم، فإذا الحياة سعيدة، والعدل شامل، والدستور حام، فلنسر على بركة الله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٨٠