تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نمط جديدة في الوزارة لم يألفه عبد العزيز، فقد ألف أن طاعته غنم وإشارته حكم. ولذلك لم يلبث مدحت في الوزارة إلا خمسة وسبعين يوما اعتزل العمل بعدها وضاعت كل مشروعاته، وخسرت الحكومة مائتي ألف ليرة للمهندس الفرنسي واضع مشروع خط بغداد من غير أن تستفيد شيئا.

ثم رأيناه وزيرا للعدل في وزارة أسعد باشا، ثم في وزارة شرواني زاده محمد رشدي باشا، فمكنته هذه الوزارة الأخيرة أن يعكف على وضع النظم واللوائح لإصلاح الدولة.

وكتب مدحت إلى عبد العزيز كتابا لينا في مظهره شديدا في جوهره، قال فيه: «لقد صرحتم جلالتكم في خطاب العرش بأنكم تلتزمون خطة الإصلاح المنشود، ومع هذا فقد ساء الحال، وأنتجت كثرة تغيير موظفي الدولة القلقلة والاضطراب، وضل أكثرهم الطريق، ولم يسيروا وفق مقصدكم، بل خرجوا عن جادة الاستقامة وأفسدوا ما أحدثه الإصلاح، واختلت مالية البلاد، وحدا ذلك بالناس إلى نشر الأراجيف في داخل البلاد وخارجها، وخاف الناس أن ينتج هذا انقراض الدولة ... «قد اضطرتنا وطنيتنا إلى عدم السكوت والوقوع فيما لا تحمد عقباه، فلجأنا إلى أعتابكم الشاهانية ... ولا يخفى على حكمة جلالتكم أن الدواء الشافي لهذا العلة هو اجتثاث أسبابها التي نعرفها حق المعرفة، فإذا أزيلت الأسباب زال المرض ... فإذا أصدرتم خطا همايونيا جديدا حتمتم به اتباع القوانين والنظم والمساواة بين الغني والفقير والكبير والصغير في نظر القانون، وأرجعتم المنشآت الخيرية إلى أصلها (وكان السلطان استولى عليها)، وصرفتم الأموال في سبيل ما خصصها له الواقفون، وأعدتم مرجع أمور الدولة إلى الباب العالي (الوزراء) فيقر قراراته ويعرضها على جلالتكم، ولم تستأثروا جلالتك بشيء من حقوق الدولة المالية والملكية ولم تصرف المالية قرشا واحدا إلا برأي الباب العالي، وحددت وظائف كبار الموظفين وأصاغرهم، وجعل الوزراء مسئولين عن نتائج أعمالهم، وحتمتم ذلك على خواصكم ورجال حاشيتكم - إذا تم ذلك كله حصلت النتيجة المطلوبة بعون الله تعالى، ووصلت الدولة إلى الطريق الذي ترجوه جلالتكم.

هذه الأقوال هي نتيجة أفكارنا، وربما أخطأنا ... ونحن نطلب من جلالتكم تخليص الأمة - التي قد أصبحت مصالحها بين يديكم - من أزمتها الحاضرة وعلى كل حال فالرأي لكم».

في هذا الكتاب مجمل أفكار مدحت باشا ونظرته إلى الإصلاح.

أعد مدحت باشا هذا التقرير، وهو وزير عدل. وعرضه على الوزارة فاتفقت كلمتهم عليه، واتفقوا على أن يرفعه الرئيس إلى السلطان عبد العزيز، فقابله ولم يستطيع أن يفاجئه، فحدث السلطان أحاديث مختلفة ثم تدرج إلى ذكر هذا الكتاب، فلما سمع كلمة الإصلاح والشورى والدستور هاج هائجه وأصدر أمره في الحال بعزل مدحت باشا من الوزارة، وإبعاده بتعيينه واليا لسلانيك؛ وبعد أيام عزل شرواني وعينه واليا لحلب، وبذلك أبعد الاثنين اللذين يذكران الإصلاح. ولم يمكث مدحت طويلا في سلانيك فعزل بعد ثلاثة أشهر، وأخذ يصلح في مزرعته، ويفكر في أمته.

| مدحت باشا (3)

هذا مدحت باشا - في مزرعته - يفكر، كل محاولته في الإصلاح ضاعت سدى، لصلابة السلطان عبد العزيز الذي يأبى أن يسمع كلمات «الشورى، والدستور، والعدل، والحرية، والأمة»؛ وكل من نطق بهذه الكلمات كان عرضة للنفي والتشريد والقتل والعزل كما حدث له.

إن السبب الوحيد لتذمر المسيحيين في الدولة هو فقدانهم الحرية، فمتى منحوها عطفوا على الدولة وشعروا أنهم جزء منها.

وسبب ضعف المسلمين هو فقدان الحرية، فمتى شعروا بحريتهم أقدموا على عملهم ونشطوا، وكسبوا، وتعلموا، واستخدموا ذكاءهم ومواهبهم لإسعاد أنفسهم وأسرتهم وهيئتهم الاجتماعية.

وفقدان الجميع الحرية يملؤهم خوفا، ويفقدهم رجولتهم ويخلقهم بأخلاق العبيد: من ذلة وضعة، وعدم الالتفات إلا إلى المأكل والملبس ينالونه من أخس الطرق. وليس الذي وقعنا فيه من طبيعة الإسلام في شيء، فالإسلام يسوي بين الغني والفقير في الحقوق والواجبات، وبين الوزير وراعي الغنم، ويجعل أمرهم بينهم شورى؛ وهذا السلطان يكره كلمة الشورى كما يكره الموت. والإسلام جعل من أهم قواعده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهذا السلطان لا يسمح لأحد أن يأمر بمعروف ولا أن ينهي عن منكر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٧٩