تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذ ذاك ظهر الصراع بأجلى مظاهره، وانجلى الغبار عن معسكرين متميزين بأعلامهما وجنودهما: هذا معسكر مدحت باشا على رأس حزب كبير من الكبراء والوزراء والأمراء وطائفة كبيرة من الشباب، وهذا معسكر على رأسه السلطان عبد العزيز، وحوله الحاشية ومحمود باشا نديم رئيس الوزارة، وهو يمد السلطان بكل ما يحتاج إليه من أموال الدولة، ينفق منه أقله في المصلحة العامة، وأكثره في شهواته، ثم يؤيده كثير من المعممين من رجال الدين قد اشتريت ذممهم بما أغدق عليهم من أموال الأمة، فهم يسمون كل حركة تدعو إلى الإصلاح فتنة، ويقولون: سلطان غشوم خير من فتنة تدوم.

وكان لكل معسكرا أيضا أدباؤه وكتابه وشعراؤه، فمع مدحت باشا كتاب من الطبعة الأولى يحررون في الصحف الفرنسية والتركية والعربية. وأبدع ناممق كمال أدبا تركيا يتغنى بالحرية في أسلوب جديد، جميل في بساطة، واضح في قوة؛ وأدب آخر رجعى يشيد بذكر السلطان ويهجو دعاة الحرية والإصلاح، ومنهم كتاب جريدة «الجوائب».

والدول الأوروبية نفسها تدخل في هذا المعترك؛ فانجلترا تعطف على مدحت لأنها بحكم نظامها تميل إلى الديمقراطية وإلى الدستور، ولأن في صلاح تركيا وهدوئها ما يعوق مطامع روسيا؛ وروسيا تؤيد السلطان ومحمود نديم، وسفيرها في تركيا «ايغناتيف» يثير الفتن والثورات حتى يحقق مطامع روسيا إذ ذاك.

ويركز مدحت برنامجه في كلمات فيقول: «إن التبذير في الدولة قد بلغ درجة لا تطاق، فالمالية ترسل الأموال إلى المابين، فيصرفها السلطان في ملذاته، والنظار يبيعون الوظائف بيع السلع؛ فالوالي يشتري وظيفة من الصدر الأعظم ويذهب إلى الولاية فيستغل أهلها بأنواع الظلم حتى خربت الولايات، ووقعت الدولة في أزمة شديدة، ولا سبيل إلى الخلاص منها إلا بتبديل الإدارة الحالية، وتبديلها يكون بإنشاء مجلس نيابي، وجعل النظار مسئولين أمامه، وأن يكون هذا المجلس قوميا، فلا يفرق في انتخابه بين المذاهب والعناصر - وأن يوضع الولاة في الولايات تحت المراقبة الشديدة فلا يعبثون بمصالح الرعية».

كل هذه المعاني تركزت في كلمة واحدة اسمها «الدستور».

ها هي الدعوة تنتشر والنفوس تغلي، وأخطاء السلطان عبد العزيز المتتابعة تزيدها غليانا.

تحت ضغط الحوادث أبعد الصدر الأعظم محمود باشا نديم حبيب السلطان عبد العزيز لأنه يمده بما شاء من أموال الدولة، وحبيب الحاشية كذلك، وحبيب سفير روسيا في الآستانة، وحبيب ذوي المناصب من رجال الدين، وعين مدحت باشا صدرا أعظم، وهو المكروه من كل هؤلاء، والمحبوب من الطائفة التي تغلى لطلب الإصلاح.

فما استقر على كرسيه حتى أعاد المنفيين الذين نفوا لاتهامهم بمشايعة حركة الإصلاح، وأعاد تأسيس ميزانية الدولة على أساس ثابت لا أساس صوري كما فعل محمود نديم ، وضيق على السلطان عبد العزيز وحاشيته فلم يمدهم بالمال الذي يشتهون، وبت في المشاكل الخارجية بما أصلحها، وتوجه إلى الإصلاحات الداخلية فاهتم بربط البلاد البعيدة بالدولة، فوضع مشروع خط حديدي يربط العراق بالدولة بإنشاء خط بين بغداد وطرابلس الشام. واختار مهندسا فرنسيا لذلك كلفه وضع المشروع ورسمه وتخطيطه واكتشاف أقرب طريق إلى ذلك، ووضع الخرائط له في نظير مائتي ألف ليرة، ودبر المال لذلك المشروع بالاتفاق مع انجلترا على دفع ثلاثة ملايين من الليرات في نظير نقل بريد الهند على هذا الخط، كما وضع مشروع إنشاء الخطوط التلغرافية في بلاد الحجاز، وإنشاء طريق حديدي بين دمشق وبغداد، وامتداد الأسلاك التلغرافية بين دمشق والحجاز واليمن، وفعلا أحضرت الأخشاب والأدوات لإنشاء خط بين القدس وجدة؛ ورأى أن ذلك لا يكلف الدولة كثيرا، فتلغرافات الحجاج تعوض النفقات في سنين قلائل.

ووضع المكاييل والموازين على أساس عشري، ووحدها بين أجزاء الدولة، وعارض أشد المعارضة في منح الخديوي اسماعيل باشا فرمانا يبيح له عقد قروض من الدول الأجنبية وقال: «إنه إذا أبيح له ذلك تدخل الأجانب في شؤون القطر المصري، وضاع استقلاله الإداري والسياسي معا، وتدخل الأجانب يوما ما في شؤون تلك البلاد بحجة حفظ أموالهم»، فعل هذا مع أن السلطان كان قد وعد اسماعيل باشا بإصدار هذا الفرمان.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٧٨