تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويصادر الكتاب إذا كان فيه «الأئمة من قريش»، وتمنع «العقائد النسفية» من الطبع لأن فيها فصلا في الإمامة وشروط الخلافة؛ وكل كتاب يطبع في الشام أو العراق أو الآستانة لا بد له من «رخصة جليلة»؛ ويجمع كتاب كان يدرس في «مكتب الحقوق» ويحرق لأنه وردت فيه جملة مضمونها أنه إذا اختلت دولة من الدول يكون للدولة المجاورة الحق في طلب إصلاحها.

وخطيب الجمعة يتحرى الحديث الذي يذكره في الخطبة، فلا يكون مما ينهي عن ظلم، ولا مما يشير إلى حق رعية على راع، ولا نحو ذلك؛ ولذلك يغلب أن يكون الحديث: «إن الله جميل يحب الجمال».

والجواسيس لا عداد لها، والجاسوسية سبيل الارتقاء، وعشرة آلاف جندي يقفون للمحافظة على حياة السلطان وإظهار أبهته وجلاله إذا خرج للصلاة يوم الجمعة. والقصر مملوء بالمشعوذين والدجالين من المشايخ، يختلقون رؤيا يزعمون أنهم رأوها، أو يفسرون حلما، أو يوقعون بمن يقف في سبيل دجلهم، والأمور تدار والمشاكل السياسية تحل، بمثل هذه الرؤى، وآراء هؤلاء الطغام. •••

في هذه الأجواء عاش مدحت باشا وكافح وجاهد حتى مات.

ما أشق الإصلاح على من يعمل فيها! فأنفاسه معدودة عليه، وحركاته وسكناته تسجلها الجواسيس، وهم لا يكتفون بما يعمل، بل يزيدون عليه ما لم يعمل، ويؤولون ما يصدر عنه تأويلا يزيد في ربحهم وقربهم. يخلص في عمله، فيقال إنه يرمي إلى أخطر غاية، ويعزل من عمله فيقال إنه يدبر المكايد، ويبعد لعمل خارج العاصمة فيقال إنه يسعى للاستقلال بولايته، ويعمل للدستور فيقال إنه يريدها جمهورية؛ وهكذا وهكذا، في كل خطوة عقبة، وفي كل فكرة وساوس، وفي كل حركة دسائس، وليس يحتمل مثل هذا إلا أولو العزم الذين يدأبون مهما عذبوا، ويعملون مهما اضطهدوا، عقيدة تتملكهم أنهم ليسوا ملكا لأنفسهم ولا لأسرتهم، إنما هم ملك لفكرة استحوذت عليهم، ومبدأ غمر مشاعرهم؛ أما غيرهم فسرعان ما يعودون من منتصف الطريق، سائلين الله السلامة، مكتفين بأول عذاب نالهم ليستريح ضميرهم، ويلقوا التبعة على غيرهم. وكان مدحت من هؤلاء الذين في خلقهم حمية، وفي طبعهم تحد للشر، وثبات على الجهاد، وجلد على تحمل الألم حتى يلفظ آخر أنفاسه وعار عليه أن يتأوه. •••

ولد مدحت في استانبول؛ وكان أبوه «الحاج حافظ محمد أشرف» عالما دينيا تولى بعض أيامه القضاء الشرعي في بعض الولايات، فأنشأه أبوه تنشئة دينية، فحفظه القرآن وهو في العاشرة، ولقب بالحافظ، وهو لقب لكل من يحفظ القرآن من الأتراك، فكان اسمه الحافظ أحمد شفيق؛ أما مدحت الذي غلب عليه فهو اسم ديواني. والتحق بالديوان الهمايوني يتعلم الخط الديواني، وتنقل مع والده في الولايات التي تولى فيها القضاء يتعلم في مكاتبها؛ حتى إذا عاد والده إلى الآستانة ألحقه بأحد أقلام الحكومة يساعد الكتبة ويتعلم منهم بعض الوقت، والبعض الآخر يقضيه في جامع الفاتح، وكانت فيه حلقات الدروس تشبه حلقات الأزهر، لكل شيخ حلقته وتلاميذه. فكان يتعلم هناك اللغة العربية والفارسية والدروس الدينية والنحو والمنطق والفقه والبلاغة والفلسفة التي كانت تسمى الحكمة؛ وظل على هذه الحال إلى أن ناهز العشرين، تلميذا في دواوين الحكومة وتلميذا في جامع الفاتح.

وهي ثقافة - كما ترى - ضعيفة، فلا تاريخ ولا جغرافيا ولا رياضة ولا لغة أجنبية، ولكن قد يعلم الزمن العقل المستعد أكثر مما تعلمه المدارس النظامية والبرامج الثقافية، ولذلك نراه يشعر بنقصه الثقافي إذا كبر فيطالع بنفسه الكتب. ولما جاوز الخامسة والثلاثين رأى الحاجة الثقافية والسياسية ماسة إلى تعلم لغة أجنبية، فتعلم اللغة الفرنسية، فكان يدرها وهو يشتغل في (وظيفته).

وشيء آخر أفاده إفادة كبرى في ثقافته العملية، وهو سياحته في أوربا لدرس النظم السياسية والاجتماعية التي أصلحت من شأنها، وعالجت بها أمثال المفاسد التي تعانيها تركيا؛ فحصل على رخصة للسفر سنة 1274 وسنه إذ ذاك نحو ست وثلاثين، فأنفق في سياحته هذه نحو ستة أشهر، زار فيها باريس، ولندن، وفينا، وبلجيكا؛ وكانت زيارته زيارة درس واستطلاع، كيف تنظم الدول ماليتها، وكيف تسوس أمورها، وما نظام الحكم وما علاقة شعوبها بملوكها، وما أهم وسائل العمران عندهم، إلى غير ذلك من الأسئلة التي ملأت ذهنه، وأراد أن يتطلب الإجابة عنها عن كل مملكة زارها - وفي الوقت عينه أراد من سياحته أن يتقن اللغة الفرنسية التي تعلمها على كبر، فتم له ما أراد لعقله المتفتح وهمته العالية، واستقامته التي أخذها عن دينه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٧٥