لا عناية بصحة ولا تعليم، فالأمراض فاشية، والجهل عميم، والمسلمون في ذلك أسوأ حالا من المسيحيين، لأن الجمعيات المسيحية في الأمم الغربية تعين مسيحيي الشرق بفتح المدارس لهم، ونشر التعليم بينهم، والمسلمون حائرون بين إقدام على التعلم في هذه المدارس مع التعرض لما يمس دينهم، وبين الاحتفاظ بدينهم ومعه الاحتفاظ بجهلهم.
والفقر ضارب أطنابه بين الشعوب لضعف وجوه الاستغلال، فلا زراعة صالحة، ولا صناعة ناجحة، فهذه كلها تدار بيد أضعفها الفقر، وعقل أضره الجهل، وعقيدة أفسدها التخريف؛ ثم عدم اكتراث الناس لما تنتجه أيديهم وأرضهم إذ ليس يحميه عدل حكامهم.
الجنود في الدولة لا تزال قوية شجاعة على رغم كل ذلك، تحتقر الموت وتستعذ به؛ وحالتها المعنوية عالية رفيعة، ولكن لا نظام لها على النمط الحديث، ولا نظام في التموين بالآلات والعدد والغذاء؛ فإن انتصروا في بعض المواقع فبفضل قوة إيمانهم وسمو روحهم، وعلى الرغم من سوء تغذيتهم، وضعف عدتهم؛ وتلك حال لا تبشر بخير دائم. والأمم الحية حولهم كل يوم تعد جديدا من الآلات، وتستكمل نقصا في النظام، وتتخذ الأساليب الخفية والظاهرة في الظفر بالأعداء؛ فكيف ينفع بقاء القديم وسير الأمور في مجراها العتيق؟
وهذه الدول من حولها أحست ضعفها، وشعرت بدنو أجلها، فهو كل يوم تنصب الشباك حولها، وتتقن صنعها في دقة ومهارة، ولكل دولة أساليبها في الحبائل، وطرقها في الصيد، وكل دولة تصطنع من الدولة رجالا هم عيونها وعدتها ووسائلها.
والمملكة خليط من عناصر مختلفة يختلف جنسها وتختلف لغتها، ويختلف دينها، ولكل عنصر هوى، ولكل جنس أسباب متصلة بأمم أخرى تستهويها وتستنجدها.
فلا المالية صالحة، ولا الإدارة صالحة، ولا الجيش صالح، ولا الأمة متحدة النوازع والآمال والآلام.
وزاد الأمر سوءا أن السلطان عبد العزيز جاء ناقما على الحالة التي وصلت إليها الأمة، وانتقد أخاه عبد المجيد في تصرفاته، وفي إسرافه في شهواته، وفي تبذيره للمال، وعدم نظره إلى شؤون الدولة كما ينظر إلى نفسه، فأعلن أنه آت لإصلاح المفاسد، والأخذ بيد الشعب، والاقتصار على زوجة واحدة، والاقتصاد في نفقات الحريم، ولكن سرعان ما تبددت هذه الوعود، وخطا في سبيل البذخ والترف والنعيم والإسراف أضعاف ما كان ينتقده من أخيه! وارتكب في عهده غلطتين كبيرتين: استفزازه عواطف رعاياه المسلمين في أنهم أولى بالتفضيل في مزايا الدولة في المعاملة والمناصب ونحو ذلك، وأن ليس يصح أن يساويهم رعاياه المسيحيون في ذلك، فأوقد بذلك شعور البغضاء والحقد وحب الانتقام بين عناصر الأمة الواحدة، ومهد الطريق للدول الأوربية أن تتدخل في حماية أهل دينها.
والغلطة الثانية: وقوعه في الدين من المصارف الأجنبية لقلة دخل الدولة وكثرة إسرافه. نعم، إن بعض هذا المال أنفق في إصلاح الجند والبحرية، ولكن كثيرا منه أنفق في بناء قصوره العديدة الفخمة وما تحوي من أسباب الترف والنعيم - مع أنه لما أراد سعيد باشا والي مصر الاستدانة بعث إليه بكتاب طويل مملوء بكل الحجج التي يمكن أن تقال في سوء عاقبة الاستقراض وضرره بالممالك - فكان هذا أيضا وسيلة من وسائل التدخل الأجنبي؛ هذا إلى اعتداده بنفسه، واستبداده برأيه، وتركيز أعمال الحكومة كلها في شخصه؛ فهو مرجع كل شيء، لا يسمح نصيحة ناصح، ولا رأي مجرب، ويخشى الذكاء والعلم والثقافة الواسعة ومعرفة بواطن الأمور، لأنها كلها تؤدي إلى مراقبة أعماله ومحاسبته على إسرافه.
وجاء السلطان عبد الحميد فزاد في الطنبور نغمة بل نغمات؛ لقد لعب خوفه على شخصه برأسه، وقد سمع من التاريخ أن كثيرا من أجداده خلعوا أو قتلوا، وهذا بالأمس القريب عبد العزيز خلع وقيل قتل، فليحذر أن يمثل به هذا الدور؛ ثم ذكاء نادر، ومال كثير وسلطان كبير، كل هذا يوجه للمحافظة على شخصه أن يمس بسوء، فلا تذكر الملة والأمة في الصحف والمجلات، بل تذكر «الذات الشاهانية» متوجة بالألقاب الضخمة الفخمة، فهو السلطان الأعظم والحاقان الأفخم، وسلطان البرين والبحرين، وإمام الحرمين الشريفين، وهو ظل الله في أرضه، المحفوف بألطافه الصمدانية، وعنايته الربانية.