ولذلك كان مزيجا غريبا، محافظة على الصلاة وسبحة، ومعرفة بشؤون الدنيا، واطلاع واسع على تيارات العالم وأسس المدنية الحديثة، ودروشة ويقظة.
أول ما لفت الأنظار إليه في تركيا أنه شب صريحا لا يتقن فن المجاملة، حادا لا يكظم غيظه، حارا في تنفيذ ما رأى في وسط بارد بطيء، مخلص لفكرته، على حين أن كثيرا ممن حوله إنما يخلص لشخصه؛ تربى في مدرسة كبرلي باشا ورشيد باشا وعالي باشا، وتعلم منهم القوة والتصميم، والقدرة على التنفيذ؛ فلما خلفهم من لا يملأ كراسيهم اصطدم بهم. تولى محمد باشا القبرصلي «صدرا أعظم»، وكان بينه وبين مدحت إحن وأحقاد، واندلع لهيب الثورة إذ ذاك في البلقان، واحتاجت إلى رجل شديد، فرماها القبرصلي باشا بمدحت، لعله يفشل أو يقتل فيستريح منه، وإن نجح فلا بأس، فأقل ما فيها أنه أبعده عن وجهه. فسافر مدحت ومعه قوة عسكرية، وقضى ستة أشهر في قمم الجبال ومغاورها يقبض على أشقيائها، وأثبت إدانة أربعة منهم وأعدمهم، وحبس ثمانين أرسلهم إلى الآستانة، وهدأت للفتنة ووضع مشروع الإصلاح، فكان ذلك مما لفت الأنظار إلى قوته وحزمه.
كما لفت الأنظار إلى حسن إدارته عندما عين واليا في الصرب وبلغاريا، وقضى فيها أربع سنوات كان فيها مجددا حقا، يختلف عن سائر الولاة العثمانيين: بث المدارس في أنحاء الولاية، وأنشأ المستشفيات، وأصلح من الطرق نحو ألفي ميل، وبنى نحو 1400 جسر، فإذا أعوزه المال الرسمي حض الأهالي على التبرع فأجابوه، بعدما لمسوا قيمة الإصلاح في تحسين حالهم؛ وأهم ما تمتاز به إدارته - مما كان جديدا في نظر العثمانيين - عدم تفرقته في سياسته وإدارته وعدله بين مسلم ومسيحي، ثم شدته المتناهية على العصاة ومثيري الدسائس، ومعاقبته لهم بما يؤمن البريء، ويردع المسيء؛ فأصبحت بفضله هذه المقاطعة على فقرها وكثرة فتنها مضرب المثل في الغنى والأمن أيام حكمه من غير أن يكلف الدولة مالا.
كل هذا كان إرهاصا بما سيكون إذا أسندت إليه شؤون الدولة.
| مدحت باشا (2)
إن ضعف الدولة العثمانية الذي ذكرنا، وعدم كفاية السلاطين المتأخرين، صحبه مشاكل في منتهى التعقيد، فعناصر الدولة متعددة، ويكفي البلقان وحده - بما يشمل من البوسة والهرسك وسربيا وألبانيا واليونان وبلغاريا ورومانيا - وما يقطن فيه من أمم عديدة أن يقض مضجع أية دولة مهما بلغت من القوة، وخاصة بعد ما جاءت عدوى القومية فأثارت نوازع كل عنصر من هذه العناصر نحو الاستقلال، فكيف بالدولة العثمانية، وكيف ذلك مع ألاعيب الدول المختلفة وإثارتها لهذه العناصر؟ هذا إلى تعدد المذاهب الدينية النصرانية وما بين كنائسها من خلافات لا تنتهي. ونشأ عن هذا كله ما سمي «المسألة الشرقية» ويعنون بها «النزاع بين عناصر الأمم التركية من جهة، ودخول الدول العظمى في هذا النزاع لتحقيق آمالها المتناقضة من جهة أخرى».
وسوء الحالة الداخلية والحالة الخارجية يتمخض - عادة - عن عدد من المفكرين في هذه المشاكل، ويقترحون ما يرون من ضروب الإصلاح؛ ومن هذا نشأت أنواع من الإصلاح متسلسلة تسمى في عرف الأتراك «التنظيمات الخيرية»، ويريدون بها الإصلاحات التي يراد بها إنقاذ الدولة العثمانية من ضعفها، وعلاج مشاكلها في الداخل والخارج، من عهد السلطان محمود. وكان من أشهر هذه الإصلاحات أو التنظيمات القانون المعروف بخط «كلخانه» الذي صدر سنة 1839 في عهد السلطان عبد المجيد، والذي سعى إليه محمد أمين عالي باشا، وكان أهم ما يتضمن هذا «الخط» حماية النفس والملكية، من غير تفرقة بين جنس أو دين، وإلغاء نظام الالتزام، ومساواة الرعايا مهما اختلف دينهم أمام القانون، وأن جميع المجرمين يجب أن يحاكموا محاكمة علنية، والمساواة في الفرص أمام الجميع لتولي الأعمال الحكومية، وتجنيد غير المسلمين، وإصلاح الإدارة والبوليس والضرائب والطرق، وإنشاء البنوك الخ.