وينتهز فرصة وجود جماعة من العلماء عنده في يوم مولد، ودعوته للعشاء عند أحد المحتفلين، فيبين لهم أن هذه الموالد كلها منكرات، ويتمنى لو صرف ما يصرف في الموالد على تعليم الفقراء، ويناظرهم في ذلك مناظرة تنتهي بانصراف العلماء إلى العشاء في المولد، وامتناع الشيخ وحده.
ويضع الشيخ تفسيرا لجزء «عم» للناشئة فيلتمس كل وسيلة للحملة على كل ما يشوب التوحيد من شرك بعبادة المشايخ والقبور والأضرحة والتخريف، راجيا أن ينشأ الشباب نشأة دينية صحيحة خيرا مما عليه آباؤهم - وأعانه في هذه السبيل تلميذه وصديقه السيد محمد رشيد رضا في مجلة المنار، فقد ملأها كذلك بمثل هذه الدعوة، ومثل هذه الحجج يسمع بها المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية.
وفي تركيا قامت الحكومة التركية الكمالية بمحاربة هذه البدع والخرافات فأغقلت التكايا وكانت عش التدجيل، وطاردت المشايخ، واضطهدت المهرجين؛ ولكن الفرق بين هذه الحركة وما قبلها أن كل الحركات السابقة كانت مؤسسة على الدين والإصلاح الديني، والرجوع إلى الأصول الدينية، أما هذه الحركة فمؤسسة على العقل المطلق، وفكرة الإصلاح الاجتماعي من غير أن يكون الوازع عليها الرغبة في الإصلاح الديني. •••
وأخيرا وقد مضى على هذه الدعوة الإصلاحية من عهد محمد بن عبد الوهاب إلى الآن عشرات السنين، واشترك في تنظيم الغزة عشرات من الأبطال، فماذا كانت النتيجة؟
ظل عامة المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية - كما هم - من حيث الالتجاء في قضاء الحوائج إلى المشايخ والقبور والأضرحة، وظلت على عادتها في الاحتفال بها وإن قل بهاؤها ورونقها، وإنما تأثر بهذه الدعوة الخاصة أو خاصة الخاصة، كما تأثر بها ناشئة الشباب المثقفين بحكم ثقافتهم ونمو عقليتهم، فلم يلجئوا إلى المزارات والمشايخ كما كان يلجأ آباؤهم؛ ولكن أخشى ألا يكون كثير منهم يلجأ إلى الله أيضا كما كان يلجأ آباؤهم.
والآن ننتقل إلى نوع آخر من الإصلاح كان مظهره مدحت باشا في تركيا.
| مدحت باشا (1)
1238-1301ه/1822-1833م
وهذا مصطلح آخر من جنس آخر؛ محمد بن عبد الوهاب مصلح ديني، وهذا مصلح اجتماعي؛ ذاك في نجد، وهذا في استنبول؛ ذاك لا شأن له بالسياسة ولا بالمدنية الحديثة، إنما همه إصلاح العقيدة؛ وهذا منغمس في السياسة لا مشكلة أمامه غيرها؛ ذلك برنامج إصلاحه الرجوع إلى عهد الرسول
صلى الله عليه وسلم
وصاحبته لنعتقد ما يعتقدون، ونعمل ما يعملون، ونترك ما يتركون؛ وهذا يرى الإصلاح في الرجوع إلى المدنية الحاضرة ومناهجها في الأمم الحية لنختار منها ما يصلح لنا ويتفق ومواقفنا، دارسين في إمعان كيف شق الأوربيون طريقهم إلى الحياة الاجتماعية والسياسية، وكيف تعثروا وكيف نهضوا، فنتعلم من خطئهم وصوابهم، ونقتبس خير ما أنتجته عقولهم. •••
لقد ولد في عهد السلطان محمود، ونضج شبابه في عهد السلطان عبد المجيد، وبدأت كهولته في عصر عبد العزيز، وانتهت في عهد عبد الحميد.
جاء والدنيا مدبرة عن الدولة العثمانية، وحركة الجزر تلي حركة المد، والمملكة تنقص من أطرافها، ويدب الفساد في داخلها.
يقع الظلم على سكانها المسلمين والنصارى على السواء، ولكن المسلمين ينادون بالإصلاح في هدوء وإشفاق، والنصارى من ورائهم أمم تحميهم، وتتخذ ظلمهم وسيلة للتدخل في شئؤون الدولة بدعوى حمايتهم، والعمل على تحريرهم، فأصبحت الدولة وكل يوم تقتطع منها ممالك، وكل يوم تعقد معاهدات تنقض حقوقها تفرض عليها بالتهديد والوعيد.
حكام في كل ولاية يحكمون البلاد بعقول ضيقة وشهوات واسعة، فخفخة في المظهر، وسخف في المخبر؛ لا يقيدهم قانون، ولا يردعهم عدل، ولا يرون للشعوب حقا إلا أن تؤمر فتطيع، وتنتهب فتصبر؛ بل لا يكفيهم الصبر على المصيبة، وإنما يتطلبون المدح والثناء عليهم في ظلمهم وطريقة حكمهم، فمن امتعض من ذلك فهو ثائر، ومن شكا فهو كافر، فأورث ذلك الهجرة عند من احتفظ بإبائه، والذل والهوان عند من لصق بأرضه.