1 : «وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، (منها) اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر؛ فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجح المطالب، وسألوا منها ما يسأل العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة فإنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. «مع هذا الفكر الشنيع والكفر الفظيع، لا نجد من يغضب لله، ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما، ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبور بين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من قبل خصمه حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني. تلعثم وتلكأ، وأبى واعترف بالحق؛ وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى تاني اثنين وثالث ثلاثة. «فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكاره هذا الشرك المبين؟»
وقد مات الإمام الشوكاني سنة 1250 بعد أن أبلى في هذا بلاء عظيما، وخلف تلاميذ كثيرين يدينون برأيه.
وفي مصر شب الشيخ محمد عبده فرأى تعاليم ابن عبد الوهاب تملأ الجو، فرجع إلى هذه التعاليم في أصولها من عهد الرسول إلى عهد ابن تيمية، إلى عهد ابن عبد الوهاب؛ وكان أكبر أمله أن يقوم في حياته للمسلمين بعمل صالح، فأداه اجتهاده وبحثه إلى نفس الأساسين اللذين بنى عليهما محمد بن الوهاب تعاليمه وهما: (1) محاربة البدع وما دخل على العقيدة الإسلامية من فساد بالإشراك مع الله تعالى الأولياء والقبور والأضرحة، و(2) فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه ضعاف العقول من المقلدين؛ وجرد نفسه لخدمة هذين الغرضين، ولكنه امتاز بميزة كبرى عمن عداه، وهي ثقافته الواسعة الدينية والدنيوية، ومعرفته بشؤون الدنيا وأسسها وتياراتها، وذلك بتربيته الدينية الأولى المستمرة، وبانغماسه في الأمور السياسية واطلاعه على الثقافة الفرنسية، ورحلاته إلى أوربا يخالط علماءها وفلاسفتها وساستها. فلما تعرض لمثل ما تعرض له ابن عبد الوهاب فلسف الدعوة، وركزها على أسس نفسية واجتماعية، كما شارك في تركيزها على الأسس الدينية؛ ففي دروسه في التفسير التي كان يلقيها في الرواق العباسي بالأزهر، كان ينتهز كل إشارة لآية ولو من بعيد تندد بالشرك فيفيض في الحملة على عبادة الصالحين، وزيارة القبور والشفاعة والتوسل وما إلى ذلك، فيطيل الوقوف - مثلا - عند قوله تعالى:
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ، فيقسم الشيخ الأنداد إلى قسمين: هؤلاء الشفعاء الذين اتخذهم الناس وسيلة للقرب من الله يستقضونهم في الحوائح، وهؤلاء الذين يقلدون في الدين ويتخذ قولهم شرعا من غير حجة ولا برهان. وتظهر فلسفته للمذهب في بيان الأضرار النفسية من هذه العقائد، فهي تورث الذل وتخضع الناس للحكام الظالمين، وتحط بالنفوس إلى الدرك الأسفل، ثم هي تضر اجتماعيا باعتماد الناس على هؤلاء الأولياء بتركهم القوانين الطبيعية التي جعلها الله أسبابا لا بد منها لحصول المسبب. فالزراعة إنما تنجح بالحرث والتسميد والبذرة والسقي، لا بالاستغاثة بولي؛ والحرب إنما تكسب باتخاذ سلاح مجهز على آخر طراز كسلاح العدو، وإعداد العدة الكاملة كما يفعل العدو، لا بالاستعانة بأهل القبور؛ وفضيلة المسلم أن يستعين بعد ذلك كله بالله وحده يطلب منه أن يثبت قلبه، ويلهمه التوفيق. وهكذا كان يفيض في هذين الأساسين، مفندا آراء من يقول بالتوسل والشفاعة والتقليد.