صلى الله عليه وسلم ، ومولد أبي بكر وعلي؛ ولما دخلوا المدينة رفعوا بعض الحلى والزينة التي كانت على قبر الرسول؛ فهذه كلها أثارت غضب كثير من الناس وجرحت عواطفهم، فمنهم من حزن على ضياع معالم التاريخ، ومن حزن على الفن الإسلامي، ومنهم من حزن لأن مقبرة الرسول
صلى الله عليه وسلم
وفخامتها مظهر للعاطفة الإسلامية وقوة الدولة؛ وهكذا اختلفت الأسباب واشتركوا في الغضب، والوهابيون لم يعبئوا إلا بإزالة البدع والرجوع بالدين إلى أصله.
قد اهتموا بالناحية الدينية وتقوية العقيدة، وبالناحية الخلقية كما صورها الدين، ولذلك حيث سادوا قلت السرقة والفجور وشرب الخمور وأمن الطريق وما إلى ذلك؛ ولكنهم لم يمسوا الحياة العقلية ولم يعملوا على ترقيتها إلا في دائرة التعليم الديني، ولم ينظروا مشاكل المدنية الحاصرة ومطالبها. وكان كثير منهم يرون أن ما عدا قطرهم من الأقطار الإسلامية التي تنتشر فيها البدع ليست ممالك إسلامية، وأن دارهم دار جهاد؛ فلما تولت حكومة ابن سعود الحاضرة كان لا بد أن تواجه الظروف الحاضرة، وتقف أمام منطق الحوادث، ورأت نفسها أمام قوتين قويتين لا معدى لها عن مسايرتهما، قوة رجال الدين في نجد المتمسكين أشد التمسك بتعاليم ابن عبد الوهاب والمتشددين أمام كل جديد فكانوا يرون أن التلغراف السلكي واللاسلكي والسيارات والمجلات من البدع التي لا يرضى عنها الدين، وقوة التيار المدني الذي يتطلب نظام الحكم فيه كثيرا من وسائل المدنية الحديثة كما يتطلب المصانعة والمداراة، فاختطت لنفسها طريقا وسطا شاقا بين القوتين، فقد عدلت نظرها إلى الأقطار الإسلامية الأخرى وعدتهم مسلمين، وبدأت تنشر التعليم المدني بجانب التعليم الديني، وتنظم الإدارة الحكومية على شيء من النمط الحديث، وتسمح للسيارات والطيارات واللاسلكي بدخول البلاد والاستعمال وما إلى ذلك، وما أشقه عملا: التوفيق بين علماء نجد ومقتيضات الزمن، وبين طبائع البادية ومطالب الحضارة. •••
لم تقتصر الدعوة الوهابية على الحجاز والجزيرة العربية، بل تعدتها إلى غيرها من كثير من الأقطار الإسلامية، وكان موسم الحج ميدانا صالحا وفرصة سانحة لعرض الدعوة على أكابر الحجاج واستمالتهم إلى قبولها، فإذا عادوا إلى بلادهم دعوا إليها. فنرى في زنجبار طائفة كبيرة من المسلمين يعتنقون هذا المذهب، ويدعون إلى ترك البدع، وعدم التقرب بالأولياء.
وقام في الهند زعيم وهابي اسمه السيد أحمد، حج سنة 1822م، وهناك آمن بالمذهب الوهابي وعاد إلى بلاده، فنشر هذه الدعوة في بنجاب وأنشأ بها شبه دولة وهابية، وأخذ سلطانه يمتد حتى هدد شمال الهند، وأقام حربا عوانا على البدع والخرافات، وهاجم الوعاظ ورجال الدين هناك، وأعلن الجهاد ضد من لم يعتنق مذهبه، ويقبل دعوته، وأن الهند دار حرب؛ ولقيت الحكومة الإنجليزية متاعب كثيرة شاقة من أتباعه حتى استطاعت إخضاعهم.
وكذلك حضر الإمام السنوسي مكة حاجا، وسمع الدعوة الوهابية واعتنقها، وعاد إلى الجزائر يبشر بها، ويؤسس طريقته الخاصة في بلاد المغرب كما سيأتي بيانه.
وفي اليمن ظهر أعلم علمائه، وإمام أئمته وهو الإمام الشوكاني المولود سنة 1172ه، فسار على نفس هذا النهج، وإن لم يتلقه عن ابن عبد الوهاب، وألف كتابه القيم «نيل الأوطار» شارحا فيه كتاب ابن تيمية «منتقى الأخبار»، عارضا الأحاديث النبوية، مجتهدا في فهمها، وفي استنباط الأحكام الشرعية منها ولو خالف المذاهب الأربعة كلها؛ وحارب التقليد ودعا إلى الاجتهاد وثارت من أجل ذلك حرب كلامية شعواء بينه وبين علماء زمنه، كان أشدها في صنعاء، وألف في ذلك رسالة سماها «القول المفيد في حكم التقليد»؛ ودعا في قوة إلى عدم زيارة القبور والتوسل بها، فقال في نيل الأوطار