تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا هو الغرب، ثورة من شعوبه على الحكام ونظام الطبقات لتسترد حريتها، وثورة على النظام الاقتصادي لتنظم الضرائب وتحرر التجارة وتحد من تدخل الحكومة في الأعمال الاقتصادية، وتنشط الزراعة والصناعة بشتى الوسائل، ثم ثورة صناعية نتج عنها توسع في استخراج الفحم والحديد وصناعة الآلات.

هذا هو الحال عندما اصطدم الشرق بالغرب حول أوائل القرن التاسع عشر - لقد كان الغرب يتهيب الشرق لما وقر في نفسه من عظمته أيام الحروب الصليبية، ولكن ما لبث التجار والجواسيس والرحالة الغربيون يكشفون لأممهم حال الشرق حتى اقتنعوا بضعفه؛ وكانت أكبر ناحية تفوق فيها الغرب على الشرق - عدا ما ذكرنا - هي الناحية البحرية؛ فإن كانت بعض دول الشرق قوية في جنودها، باسلة في قتالها، فليس لها ما تعتمد عليه من أساطيل بحرية قوية كالتي للغرب.

لقد غزا الغرب الشرق مسلحا بالعلم الواسع في شتى نواحيه، في السياسة والاجتماع والاقتصاد، وبنفسية الشعوب وجغرافية العالم وتاريخه، ومسلحا بالأدوات الحديثة في الحروب برا وبحرا، وبالأساليب الحربية على آخر طراز، ومسلحا برءوس الأموال تمده بها الحكومات والشركات، ومسلحا برجال العلم ينزلون مع الجيش يدرسون وينقبون عن الزراعة والصناعة والحضارة القديمة والفن وما إلى ذلك.

وحيثما غزا الغرب قطرا فسرعان ما يبث فيه أسباب حضارته من سكك حديدية تمد، وبريد ينظم، وزراعة تصلح، ومالية تضبط، وهو المشرف على كل ذلك يسخرها كما يشاء حسبما يشاء؛ ولا يكتفي بنشر حضارته المادية بل ينشر حضارته العلمية والأدبية، فالمدارس الوطنية تدرس لغته وآدابه وفنونه وعلومه، وهذه تزاحم الثقافة القديمة للبلاد شيئا فشيئا، والعادات الغربية تكتسح العادات القديمة، وعلى الإجمال تنبث المدنية الغربية في البلاد المفتوحة بخيرها وشرها.

كل هذا نبه الشرق مذعورا من سباته العميق، والتفت وراءه فرأى ماضيا قريبا يستدعي الخجل: من إهمال مصالح البلاد وفساد مرافقها، وضعف ثغورها؛ ورأى حاضرا خائرا لا يقف أمام قوة، ولا يصد تيارا عنيفا، وليس يملك شيئا إلا أن يلعن من أوصله إلى هذا الحال. وما غناء اللعن باللسان أمام قوة السنان؟

وكانت هذه حال العالم الإسلامي أجمع حول أوائل القرن التاسع عشر، سواء في ذلك ما غزى من الأقطار وما ينتظر الغزو القريب، لأن القوى الغربية تتسابق، وسقوط الأقطار الشرقية يتلاحق.

وقد كانت أكبر مصيبة أصيب بها الشرق في هذه الآونة قلة رجاله الخبيرين بالدنيا وشؤونها، والسياسة وألاعيبها، الماهرين في معالجة المشاكل، الحازمين في تصريف الأمور، وحتى كان إذا وجد أمثال هؤلاء لم يجدوا تأييدا من الرأي العام الجاهل، فمن نادى بالمساواة في العدل بين الرعية من غير نظر إلى جنس أو دين اتهم بمحاربته للمسلمين، ومن نادى بتنظيم الجيش على الأساليب الحديثة اتهم بالتفرنج والخروج على التقاليد، ومن نادى بتأسيس مجلس شورى اتهم بمحاربة السلطان، والحض على الثورة، والعبث بالنظام؛ وهكذا.

وكانت هذه الخيبة التي مني بها سببا في التفكير في حالته والحزن على ما أصابه، ونزعة بعض المفكرين وكبار الرجال في الإصلاح، فنبغ رجال قليلون في سائر الأقطار يعالجون الإصلاح بوسائل مختلفة، كل ينظر إليه من زاوية خاصة؛ ولعل أشهر الزعماء في العصر الحديث وأكبرهم أثرا كان محمد ابن عبد الوهاب في الحجاز، ومدحت باشا في تركيا، والسيد أحمد خان في الهند، والسيد جمال الدين الأفغاني في مصر، والسنوسي في طرابلس، وخير الدين باشا في تونس.

وسنذكر كلمة عن كل رجل من هؤلاء وغيرهم نبين بها وجهة نظره في الإصلاح، وما قدر له من خيبة أو فلاح، فربما جهل كثير من شباب الجيل الحاضر تاريخهم، مع قرب العهد بهم، وتأثرنا في حاضرنا ومستقبلنا بأعمالهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٦٦