| محمد بن عبد الوهاب (1)
1115-1306ه/1703-1791م
هو زعيم الفرقة التي تسمى الوهابية، وتعتنق مذهبه الحكومة الحاضرة في الحجاز.
نشأ في بلدة تسمى «العيينة» في نجد، وتعلم دروسه الأولى بها على رجال الدين من الحنابلة، وسافر إلى المدينة ليتم تعلمه؛ ثم طوف في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فأقام نحو أربع سنين في البصرة، وخمس سنين في بغداد، وسنة في كردستان، وسنتين في همذان؛ ثم رحل إلى أصفهان ودرس هناك فلسفة الإشراق والتصوف، ثم رحل إلى «قم»، ثم عاد إلى بلده واعتكف عن الناس نحو ثمانية أشهر، ثم خرج عليهم بدعوته الجديدة.
وأهم مسألة شغلت ذهنه في درسه ورحلاته مسألة التوحيد التي هي عماد الإسلام، والتي تبلورت في «لا إله إلا الله»، والتي تميز الإسلام بها عما عداه، والتي دعا إليها «محمد»
صلى الله عليه وسلم
أصدق دعوة وأحرها؛ فلا أصنام ولا أوثان، ولا عبادة آباء وأجداد، ولا أحبار ولا نحو ذلك. ومن أجل هذا سمى هو وأتباعه أنفسهم «بالموحدين»؛ أما اسم الوهابية فهو اسم أطلقه عليه خصومهم، واستعمله الأوروبيون، ثم جرى على الألسن.
وقد رأى أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلى كثير من بلاد العالم الإسلامي أن هذا التوحيد الذي هو مزية الإسلام الكبرى قد ضاع، ودخله كثير من الفساد.
فالتوحيد أساسه الاعتقاد بأن الله وحده هو خالق هذا العالم، والمسيطر عليه، وواضع قوانينه التي يسير عليه، والمشرع له، وليس في الخلق من يشاركه في خلقه ولا في حكمه، ولا من يعينه على تصريف أموره؛ لأنه تعالى ليس في حاجة إلى عون أحد مهما كان من المقربين إليه؛ هو الذي بيده الحكم وحده، وهو الذي بيده النفع والضر وحده، لا شريك له؛ فمعنى لا إله إلا الله: ليس في الوجود ذو سلطة حقيقية تسير العالم وفقا لما وضع من قوانين إلا هو، وليس في الوجود من يستحق العبادة والتعظيم إلا هو، وهذا هو محور القرآن:
قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون .
إذن فما بال العالم الإسلامي اليوم يعدل عن هذا التوحيد المطلق الخالص من كل شائبة إلى الإشراك مع الله كثيرا من خلقه؟ فهذه الأولياء يحج إليها، وتقدم لها النذور، ويعتقد فيها أنها قادرة على النفع والضر؛ وهذه الأضرحة لا عداد لها تقام في جميع أقطاره، يشد الناس إليها رحالهم، ويتمسحون بها، ويتذللون لها، ويطلبون منها جلب الخير لهم ودفع الشر عنهم؛ نفى كل بلدة ولي وأولياء، وفي كل بلدة ضريح وأضرحة تشرك مع الله تعالى في تصريف الأمور ودفع الأذى وجلب الخير، كأن الله سلطان من سلاطين الدنيا الغاشمين، يتقرب إليه بذوي الجاه عنده وأهل الزلفى لديه، ويرجون في إفساد القوانين وإبطال العدل؛ أليس هذا كما كان يقول مشركو العرب:
ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى
وقولهم:
هؤلاء شفعاؤنا عند الله ؟!
بل وا أسفاه! ألم يكتف المسلمون بذلك بل أشركوا مع الله حتى النبات والجماد؛ فهؤلاء أهل بلدة «منفوحة» باليمامة يعتقدون في نخلة هناك أن لها قدرة عجيبة من قصدها من العوانس تزوجت لعامها؛ وهذا الغار في الدرعية يحج إليه الناس للتبرك، وفي كل بلدة من البلاد الإسلامية مثل هذا؛ ففي مصر شجرة الحنفى، ونعل الكلشنى، وبوابة المتولي
1 ؛ وفي كل قطار حجر وشجر، فكيف يخلص التوحيد مع كل هذه العقائد؟
إنها قصد الناس عن الله الواحد، وتشرك معه غيره، وتسيء إلى النفوس، وتجعلها ذليلة وضيعة مخرفة، وتجودها من فكرة التوحيد، وتفقدها التسامي.
وأساس آخر يتصل بهذا التوحيد كان يفكر فيه «محمد بن عبد الوهاب»، وهو أن الله وحده هو مشرع العقائد، وهو وحده هو الذي يحلل ويحرم، فليس كلام أحد حجة في الدين إلا كلام الله وسيد المرسلين، فالله يقول: