تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويبكي من عواقبها اللبيب»

ويشمت «الجبرتي» بهذا الشيخ الدواخلي لأنه فعل مثل هذا الصنيع مع السيد عمر مكرم.

ويقودها في السياسة وال تركي يسيطر عليها بطائفة من الجند ، ولا يطيل المكث إلا ريثما يغتني هو وجنوده من الأمة بالسلب والنهب والرشا، حتى صبح اسم الحكومة والوالي والجند مرعبا مفزعا؛ مقرونا في النفس بمعنى الظلم والعسف واغتصاب المال.

وأعجب من هذا كله إلف الشعوب الإسلامية هذه الحالة السيئة والاستنامة إليها، وكراهيتهم لكل إصلاح؛ فإذا أريد إصلاح الجندية ثارت الانكسارية؛ وإذا أريد إصلاح القانون غضب العلماء؛ وهي مع ذلك يسودها الغرور، فهي تشعر أنها خير ما في الدنيا، وقوتها فوق كل قوة، والله ناصرها على كل عدو، ولا خوف عليها من أي شعب آخر أو ملة أخرى، أليس الله قد رد أعداءها في الحروب الصليبية، ومحا كيد من يكيدها ويعتدي عليها؟! فالعلم ليس إلا ما في كتبهم وعند علمائهم، والقوة الحربية ليست إلا فيهم، وما على السلطان إلا أن يرفع البيرق النبوي حتى تلتف حوله جنود الأرض وجنود السماء فيمحقون كل قوة، ويذلون كل جبار. يقول بعض المماليك المصريين عند ما بلغه نزول الحملة الفرنسية: «دعوهم فإذا جاءت جميع الجيوش الإفرنجية فسندوسهم بخيولنا».

وعلى الجملة فقد كان العالم الإسلامي - إذ ذاك - شيخا هرما حطمته الحوادث، وأنهكه ما أصابه من كوارث، من حروب صليبية، وما تبعها من فساد نظام، واستبداد حكام، واستئثارهم بالمغانم، وفوضى أحكام، وخمود عام، واستسلامه للقضاء والقدر، وترديد قول الشاعر:

دع المقادير تجري في أعنتها

ولا تبيتن إلا خالي البال

فقد الدين روحه، وصار شعائر ظاهرية لا تمس القلب ولا تحيي الروح، وسادت الخرافات وانتشرت الأوهام، وأصبح التصوف ألعابا بهلوانية، ووسيلة النجاح في الحياة ليس الجد في العمل ولكن التمسح بالقبور والتوسل بالأولياء. فهم الذين ينجحون في العمل، وهم الذين ينصرون في الحروب، والشوارع والحارات مملوءة بالدجالين والمشعوذين.

هذا ما كان عليه الحال في الشرق. أما الغرب فقد حمل معه بذور الإصلاح أيام الحروب الصليبية، وبدأ يغرسها في أرضه حتى أنتجت هذه البذور أشجارا باسقة عصفت بها الريح حينا، ودب إليها الفساد حينا، ولكنها تحملت الشدائد حتى استوى أمرها وكونت لها شخصيتها. رفعت ثوراتها من شأن الشعوب وجعلتها فوق شأن الحكام، فبينما كان الحكام في الشرق كل شيء ولهم كل الثروة وكل العظمة، وللشعوب كل الفقر وكل الجهل، كان النداء يدوي في الغرب بأن الأمة كل شيء، وأن الحاكم إنما له حق البقاء في مركزه ما خدم شعبه. وسلبوا القيادة العلمية من رجال الدين وسلموا زمامها لرجال الدنيا، يطلقون لعقولهم العنان، ويبحثون ما شاءوا، وقصروا رجال الدين على قيادتهم في الأمور الروحانية والمسائل اللاهوتية، ولكن ليس لهم قيادة في العلم ولا في السياسة؛ فاتجه العلماء إلى الطبيعة يبحثونها في كل مناحيها، ويحاولون الوقوف على أسرار الكون، ويبنون حياتهم العملية على ما اكتشفوا منها في صناعاتهم وتجارتهم، ويستخدمون الهندسة والفلك والكيمياء والرياضة والميكانيكا في بناء السفن والمدفعية والقوى الحربية، وسببت عندهم المخترعات والصناعات والآلات ثروة كبيرة لكثير من الأفراد ساعدت على تأسيس شركات تقوم بأضخم الأعمال؛ وهذا التقدم في الصناعات رفع من شأن أفراد الشعوب، وجعل لهم الكلمة العليا في حكوماتهم، وحررهم في الفكر والعمل، فتضاعف التفكير، وتضاعف الاستكشاف، وتضاعف الإنتاج. •••

هذا هو الشرق، مصره لا تعرف أن تصلح ساعة، وجيوشه تعبأ على طريقة الحروب الصليبية، وأسلحته هي ما كانت عليه منذ خمسة قرون، ومشايخه يبحثون في الكتب ليستخرجوا فتوى بحل تعلم الحساب أو حرمته، وشعوبه أكواخ حقيرة فقيرة قذرة لعامة الناس، وقصور فخمة ضخمة ملئت بالجواري الحسان، وكل أسباب الترف والنعيم لعدد محدود من الولاة والأمراء، وكل ما في البلاد من خير فلهؤلاء السادة، وكل ما في البلاد من شقاء فعلى رءوس الشعب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٦٥