كذلك من أصعب الأبواب وأكثرها خلطا في اللغة العربية المذكر والمؤنث، فيؤنث المذكر، فيقال: هو رواية للشعر وعلامة، ونسابة، ويذكر المؤنث فيقال هي كاعب وناهد؛ وهناك ألفاظ يطلق فيها اللفظ الواحد على الذكر والأنثى من غير تغيير كقولهم: شاب أملود، وجارية أملود، وبعير ظهير، وناقة ظهير، أي قوي، وجمل ضامر وناقة ضامر. وهناك الحيرة في أسماء هل هي مؤنثة أم مذكرة؟ كالدرع والرمح والرحم، فلا بد من الإمعان في الكشف عليها، وقد لا تجد نصا؛ وهناك ما يذكر ويؤنث على السواء، كالسلاح والصاع والسكين والدواء والسوق والعسل والروح - فيجب العمل على تسهيل هذه الصعاب المربكة والجرأة في تنظيمها، ووضع قواعد عامة لها، ولو خالفنا فيها بعض النصوص، من مثل: (أ)
جواز تأنيث كل مؤنث بإلحاق تاء التأنيث به، فنقول: هي كاعبة وناهدة، وشاب أملود وجارية أملودة، وجمل ضامر وناقة ضامرة. (ب)
كل ما لم يرد فيه نص فالأنثى بالهاء والمذكر من غيرها، من غير توقف على نص. (ج)
كل ما ليس مؤنثا حقيقيا كأسماء الجماد إذا لم تكن فيه علامة التأنيث كالدلو والبئر والأرض والسماء والنجم يجوز تذكيره وتأنيثه، كما روى صاحب المصباح عن ابن السكيت وابن الأنباري إذ قالا: «إن العرب تجترئ على تذكير المؤنث إذا لم تكن فيه علامة التأنيث».
وعلى الجملة فالواجب تنظيم هذا الباب بالقواعد التي ذكرت ونحوها، وإزالة الصعاب التي شوهت اللغة وجعلت تعلمها عسيرا.
كذلك يجب ألا نفهم أن اللغة العربية التي نملكها هي عمل العرب في البادية وحدهم، بل إن اللغة العربية هي عمل هؤلاء مصموما إليه عمل الأدباء والعلماء الذين عانوها وعالجوها إلى اليوم؛ وبعبارة أخرى يجب أن نفهم أن اللغة ليست ما جمعه الخليل وابن دريد والجوهري ونحوهم من ألسنة العرب وحدهم، بل اللغة أيضا ما استعمله ذوو الذوق العربي من أمثال أبي تمام والبحتري والمتنبي وأبو العلاء ومن أتى بعدهم على منوالهم، فإذا استعمل هؤلاء لفظا أو تعبيرا لم يرد في المعاجم، ووجدناه يسد حاجة من حاجاتنا استعملناه وعددناه عربيا، فالألفاظ التي استعملها أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني - من مثل: ندر الرجل، وتندر إذا جاء بالنادرة، وندر بفلان وتنادر عليه إذا جعله موضع نادرته - عربية كالتي نطق بها الأعرابي؛ وإذا استعمل المقرى «التذكرة» بمعنى الرقعة التي يكتب فيها ليتذكر فهي عربية؛ والألفاظ الاصطلاحية التي استعملها ابن خلدون ليسد بها حاجته في علم الاجتماع عربية ويجب أن تدخل في المعاجم.
وهذا كله يسلمنا إلى القول بغربلة ما سموه الدخيل، وإدخال ما يصلح منه في معاجمنا كالأصيل تماما بلا تفرقة إلا إذا وضعنا معجما تاريخيا، وقد قام الأستاذ «دوزي» في ذلك مقاما حسنا بمعجمه الذي وضعه في معاني الكلمات المستحدثة التي رودت في كتب المتأخرين.
هذا رأيي في التوسيع والتضييق، وليس ما ذكرت إلا أمثلة قليلة يمكن التوسع فيها إذا قبل المبدأ.
ثانيا:
من أشق الأمور على دارس اللغة العربية وزن الفعل الثلاثي ماضيه ومضارعه من أوزان الفعل الستة، والمتخصص في دراسة اللغة يشيب ولا يستطيع الجزم بصحة نطقه في هذا الباب أهو من باب نصر أو ضرب أو ذهب الخ، ولو ترك هذا الأمر على حاله ما أمكن النطق الصحيح الدائم مهما طال الزمن وكثر الدرس، بل في كثير من الأحيان نشك فنرجع إلى المعاجم في بعض الصيغ فلا تنص أو تختلف أو تحيز! ومما يزيد الأمر صعوبة أن الفعل الواحد يكون له وزن أو وزنان إذا كان بمعنى خاص، وله وزن آخر أو وزنان إذا كان بعنى آخر، ويضطرب الباحث بين هذه النصوص، وإذا لم يضطرب فلا يستطيع إحصاءها واستيعابها والأمن من الزلل فيها.
وقد أدرك هذه الصعوبة بعض العلماء قبلنا فاجتهدوا فيها، فقد روى القاموس في مقدمته عن أبي زيد الأنصاري: «إذا جاوزت المشاهير من الأفعال التي يأتي ماضيها على فعل فأنت في المستقبل (أي في الفعل المضارع) بالخيار إن شئت قلت يفعل (بضم العين)، وإن شئت قلت يفعل (بكسرها) فتقول: حشر يحشر ويحشر، وعكف يعكف ويعكف الخ».