تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك استبعاد كثير من المترادفات التي لا حاجة إليها، فما حاجتنا إلى أن يكون للعسل ثمانون اسما، وللسيف نيف وخمسون، وللحية نحو مائتين، وللمصيبة نحو اربعمائة، في حين أن أهم من ذلك كله ليس له اسم واحد. لقد مضى الزمن الذي كنا نعد فيه كثرة المترادفات مفخرة للغة، واضطرتنا كثرة مخلوقات المدنية أن نحمد الله إذا وجدنا لكل مادة في الحياة اسما واحدا يصطلح الناس عليه، ويتفاهمون به. نعم إن بعض المترادفات ليس مترادفا لدلالته على وصف أو نحو ذلك، ولكن الكثير منها لا يدل على شيء غير الذي يدل عليه اللفظ الآخر فلا حاجة إليه - ونعم، إن كثرة المترادفات ضروري للشعر العربي الذي تلتزم فيه القصيدة وحدة القافية والروى، ولكن هذا في نظري عيب آخر يضاف إلى عيوب المترادفات، فوحدة القافية والروى في القصيدة الطويلة أضعفت من الشعر إلا على يد المهرة، وجعلت الشعراء يشدون المعاني شدا ليعثروا على القافية لا أن يأتوا بالقافية التي تلائم المعنى، وما علينا لو تعددت القوافي في القصيدة الواحدة، فذلك أروح للسمع، وأفسح مجالا للشاعر. (ج)

كذلك حذف كلمات الأضداد والقضاء عليها بتاتا مثل قولهم: «ولي إذا أقبل وولي إذا أدبر؛ وشعبت الشيء إذا أصلحته، وشعبته إذا شققته؛ وأفدت المال إذا أعطيته غيري، وأفدته استفدته؛ وقسط جار، وقسط عدل؛ والغريم المطالب، والغريم الطالب، ونحو ذلك من مئات الكلمات. فهذا أسخف شيء في اللغات وهو مفسد للقصد منها، فإن اللغة موضوعة للإبانة عن المعاني، فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على الشيء وضده لضاعت قيمة اللغة، وكان هذا تعمية لا إبانة، وتغطية لا كشفا، واللغة لم توضع لتكون ألغازا. وعلة وجود الأضداد في اللغة العربية أن العلماء جمعوا الكلمات من القبائل المختلفة، فقد تكون الكلمة دالة على معنى في لغة، وعلى ضده في لغة أخرى، فكانت كل قبيلة حكيمة في نفسها؛ فلماذا يريدوننا أن نجمع بين المتناقضات؟ وكما ولد اختلاف القبائل هذا التضاد، ولد أيضا كثرة المشترك في اللغة، فكم معنى للعين وللخال وغير ذلك مما يجعل الذي يريد أن يفهم نصا من النصوص حائرا بين جملة معان كلها صالح، ولكن لا يستطيع الجزم بأحدها. ولعل القارئ لشرح ابن الأنباري للمفضليات يرى في كل قصيدة الاختلاف في فهم المعاني لكثرة هذا المشترك، ولكن لا أريد حذفه بتاتا كما أريد حذف المتضاد، فالحاجة إليه شديدة، ولكن أريد التخفف منه قدر الإمكان.

هذه أمثلة من أمثلة تضييق الواسع. وأما الناحية الأخرى، وهي توسيع الضيق، فأبوابها التعريب والاشتقاق والقياس، وكلها اتبعت في العصر العباسي، ثم كان الخطأ في التضييق على أنفسنا في استعمالها مع شدة حاجتنا إليها.

أما التعريب، فقد سار مجمعنا اللغوي وبعض العلماء عليه سيرا محمودا، وقضوا جزءا كبيرا من وقتهم في تعريب المصطلحات العلمية والفنية، وليس عليهم إلا أن يستمروا في طريقتهم في تعريب أدوات الصناعة وسائر أدوات الحضارة، مع توسع في المنهج الذي يسيرون عليه، وقد أفرد لذلك بحثا آخر. وأما الاشتقاق والقياس فكلاهما يتدخل في الآخر في بعض صوره، فلأجمع بينهما في الكلام، وأسق بعض الأمثلة لما أريد منهما: (1)

إنا نعرف صيغ الزوائد، كأفعل وفعل وفاعل وانفعل وافتعل واستفعل الخ، ونعرف المراد منها في الأعم الأغلب؛ فيقولون إن فاعل للمشاركة مثلا، وافتعل لاتخاذ شيء كاختتم اتخذ خاتما، واستفعل للطلب كاستغفر الله، وتفاعل لحصول شيء تدريجا كتزايد النيل، وتواردت الإبل، إلى آخر ما قالوا.

ولكن وجه العيب أنهم قصروا ذلك على ما سمع، ولم يبيحوا لعلماء اللغة أن يتوسعوا في هذا الاستعمال متى احتيج إليه وكان جاريا على أساليب اللغة. ما الذي يمنع من أن أقول خابرته كما قالوا نابأته والمعنى في الاثنين واحد؟! وما المانع أن أقول استلفت نظره وفيها معنى طلبت إليه أن يوجه نظره؟! ونحو ذلك. إن أكثر المتزمتين في اللغة لا هم لهم إلا أن يخطئوا كل ذلك لأنه لم يرد في المعاجم؛ والذي أريد: أن يكون كل هذا قياسيا متى انطبق على القواعد الصرفية ودعت الحاجة إليه. وكذلك الشأن في المصادر، فقد نصوا على أن الفعل إذا دل على حرفة فقياس مصدره فعالة كالخياطة والحياكة، فلنعم ذلك إذا شئنا كالبرادة والنقاشة؛ وفعلان يدل على التقلب كالجولان والغليان فنقيسه في مثله متى احتجنا إليه، ولو لم ينصوا عليه؛ وصيغة فعال تطلق على صاحب الحيوان ومروضه، فقالوا: فيل وفيال، فلم لا نقول إذا احتجنا قرد وقراد، وكلب وكلاب، وهكذا؟! (2)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٦١