وهو اجتهاد حسن لا بأس به، ولكن يجب أن يكون لنا من الحق ما لأبي زيد، فننظم الأفعال الثلاثية كلها ولا نقتصر على ما كان من باب «فعل»، ولا نجيز أن يكون مضارع فعل من باب ينصر أو يضرب، فإن هذه توسعة ضارة لا حاجة إليها، بل نكتفي بوزن واحد وليكن وزن يضرب. فإذا جاز لأبي زيد أن ينظم بعض التنظيم، فنحن أحوج ما نكون إلى التنظيم الكامل وأقدر منه.
وهناك أبواب أخرى في اللغة العربية مسببة للخلط والاضطراب، كباب التعدي واللزوم، وباب العدد، والمصادر وكثرتها وبعثرتها، وجموع التكسير واضطرابها الخ، وكلها تحتاج إلى ضبط ولو بتضحية.
وأخيرا:
لا بد من تقرير فتح باب الاجتهاد في اللغة لتنظيمها وضبط الفوضى فيها، وهذا لا يكون إلا بالاعتقاد أن اللغة ملكنا لا أنا ملك لها، نتصرف فيها كما يتصرف الملاك في أملاكهم، بالهدم والبناء والتغيير والتبديل؛ إنما يجب أن يكون التصرف تصرف العقلاء لا السفهاء، فنربط جديدنا بقديمنا، ولا نبني إلا ما نحن في حاجة إليه، ونبنيه على خير وجه يحقق الغرض المطلوب، ونختار في بنائه خير البناة.
إن الوضع الذي وضعنا فيه أنفسنا إزاء اللغة وضع خطأ لقد وضعناها وضع الإلهة المالكة المقدسة ووضعنا أنفسنا منها وضع العبد الذليل الخاضع. والوضع الصحيح أننا نحن السادة وهي العبدة الطيعة، وليس يصح أن ننتظر رأيا من أبي زيد، ولا كلمة من الأصمعي، ولا تخريجا من الأشموني، لنلجأ إليه ونعتصم به في الإصلاح، فعقولنا أقدر على فهم حاجتنا، ونظرنا وتفكيرنا أقدر على تنظيم بيتنا.
إني لأعجب من أن كثيرا من المصلحين تنبهوا إلى خطر الجمود في التشريع ونادوا بالاجتهاد فيه مع الاحتفاظ بالأصول الكلية في الدين، ولكن لم أجد داعيا إلى الاجتهاد في اللغة، مع أن للجمود فيها خطرا لا يقل عن خطر الجمود في التشريع! ومصداق ذلك انصراف أكثر المتعلمين عنها متى نالوا حظا من لغة أجنبية، وقلة من يجيدها قراءة وكتابة كأنها لغة إضافية لا لغة أصلية.
ثم لا خطر من هذا الاجتهاد مطلقا متى أحكم طريقه، ومتى حوفظ على مقومات اللغة. وليست مقومات اللغة في هيئتها وبناء كلماتها وطريقة الاشتقاق منها ونحو ذلك، بل إن تنظيمها وتحديد الفوضى فيها يرفع من شأنها ويزيد من حيويتها، ويكثر من سواد من يجيدها.
وهنا سؤال يصح أن يوجه، وهو لمن يكون هذا الحق في الاجتهاد؟
والجواب: أن شأن اللغة شأن غيرها من الفقه وسائر العلوم والفنون، كل متمكن من فرع دارس له متخصص فيه نضج فيه ذوقه، له الحق أن يقترح وينادي بنظريته التي يراها حقا، والمتخصصون في هذه المادة ينظرون إلى رأيه ونظرياته ويقررونها أو يرفضونها أو يعلونها، ثم بعد ذلك الهيئات الرسمية في التشريع تأخذ ما تراه صحيحا من أقوال هؤلاء العلماء، وتتخذ منها قانونا لها، والمجامع العلمية المعترف بها من الأمة تقرر صحة النظرية العلمية أو خطأها، وتدخل في عداد العلم ما ثبتت صحته وهكذا؛ فكذلك الشأن في اللغة لكل كاتب وشاعر أن يستعمل من الكلمات اللغوية ما يؤدي غرضه ويعرضه على الناس ليجاروه أو يرفضوه، والمجامع الرسمية كمجمعنا ومجمع دمشق تأخذ من هذا كله ومما يعرضه عليها أعضاؤه بجدهم وبحثهم ما تراه صالحا، وتعده وتذيعه على الناس ليكون دستورا. ثم لا بد أن يكون هناك اتصال بين المجمع والحكومة اتصالا تشريعيا؛ فإذا قرر المجمع مثلا رسم الألف اللينة في الآخر ألفا مطلقا، فلا قيمة لهذا القرار إلا أن تصدر وزارة المعارف بذلك أمرا لاستعماله في مدارسها وكتبها وإلزام المعلمين باتباعه، وهكذا حتى يكون للإصلاح نتيجة فعلية؛ ولنتبع في ذلك ما اتبعته الأمم الحية في إصلاح لغتها وكتابتها وننتفع من تجاربها، ونتجنب أخطاءها، والله الموفق.
| زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث