تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال أدرك الناس أن متن اللغة البدوي لا يكفي للحياة الحضرية إذ ذاك، فأكملوه بالتعريب وبتوسيع الاشتقاق وبالقياس، وسايرت حركة الاجتهاد في اللغة حركة الاجتهاد في التشريع؛ ثم أصيب العرب بالضربة الشنيعة في الأمرين معا، وهو إقفال باب الاجتهاد في التشريع وباب الاجتهاد في اللغة، وهو حكم قاس لا يمكن تنفيذه فيهما إذا ماتت الأمة، وماتت اللغة (لا قدر الله)، فلما لم تمت الأمة تحايل بعض العلماء على فتح باب الاجتهاد في التشريع بوسائل ضعيفة وحيل سخيفة. فلما لم تنجح هذه الحيل كانت الضربة المخجلة، وهي إهمال التشريع الإسلامي والاعتماد على التشريع الأوروبي إلا في حدود ضيقة كالأحوال الشخصية. وأما في اللغة فكذلك نمت اللغة العلمية على حساب اللغة العربية، واستعمل الناس في حرفهم وصناعاتهم وحياتهم اليومية الكلمات التي يرون أنفسهم في حاجة إليها، ولو أخذا من اللغات الأجنبية محرفة، ولم تبق اللغة العربية الفصيحة إلا في تعليم التلاميذ ريثما يؤدون الامتحان، أو على أقلام الخاصة الذين يشعرون بضيقها وكثيرا ما يفرون عند كتابتهم من وصف الحياة الواقعية من جزمة وطربوش وجاكتة إلى كلمات عامة: كحذاء وقلنسوة ولباس ونحو ذلك، مما تكون فيه الحقيقة في واد والكلام في واد، ولو استمررنا على ذلك لكانت نتيجة اللغة نتيجة التشريع.

ولا علاج لهذا الأمر إلا فتح باب الاجتهاد لأن إقفاله كان هو الداء.

وإذا ثبت لنا الاجتهاد بدأنا بذكر بعض مقترحات متواضعة نقبعها بغيرها إن شاء الله:

فأولا:

نظرة واحدة إلى اللغة العربية ترينا أنها واسعة سعة عظيمة أكثر مما يلزم في بعض المواضع، ضيقة ضيقا شديدا أكثر مما يلزم في مواضع أخرى، كالثوب يطول أحد كمية أمتارا، ويقصر كمه الآخر فلا يكون إلا شبرا.

والسبب في ذلك هو ما ذكرت أن اللغة العربية كانت لغة قبائل مختلفة بدوية، فما كان منها يتصل بحياة البدو من الإبل وحياتها وصفتها، والأرض وأنواعها، والخيام وما إليها، فغني غنى مفرطا يدل على ذكاء العرب ومقدرتهم ودقة ملاحظاتهم، حتى يتركوا شيئا من ملابسات حياتهم إلا لحظوه ووضعوا له اسما، وكانت كل قبيلة تفعل ذلك؛ فلما جمع العلماء اللغة من قبائل مختلفة تنوعت الأسماء المتعددة للشيء الواحد، وهذا علة ما نسميه بالمترادفات - وما كان منها يتصل بحياة الحضر كالملابس الحضرية والأطعمة الحضرية فقليل، وأكثره جاء من التعريب في العصر العباسي. فإذا أتينا إلى زمننا ورأينا الحضارة الغربية ومنتجاتها رأينا من الطبيعي قصورا واضحا، فإذا قارنا الناقة وأنواعها وأجزاءها بالطيارة وأنواعها وأجزائها، والعقاقير البدوية بالعقاقير الحضرية، والصناعة اليدوية بالصناعة الحضرية الخ، وجدنا الغنى المفرط في الأولى والفقر المدقع في الثانية، وهكذا. وعلاج ذلك في نظري أمور:

التخفف من كثير من مفردات اللغة التي في المعاجم، فلا بد من طرح بعض الألفاظ وإماتتها إلا أن تودع في كتب مؤرخة للغة، وهذا عمل ضروري لتفسح مجالا للكلمات الجديدة في المسميات التي نحن في حاجة إليها؛ وإلا فإذا نحن أبقينا القديم كما هو وأضفنا إليه الجديد لتضخم متن اللغة تضخما يعجز عنه أي متعلم. وأولى الكلمات بالإماتة هي: (أ)

الكلمات الحوشية التي يمحها الذوق ويكرهها السمع، والتي عبر عنها أصدق تعبير الصفي الحلي إذ يقول:

إنما الحيزبون والدردبيس

والطخا والنقاخ والعلطبيس

لغة تنفر المسامع منها

حين تروى وتشمئز النفوس

وقبيح أن يذكر النافر الوح

شي منها ويترك المأنوس

أين قولي هذا كثيب قديم

ومقالي عقنقل قدموس

خل للأصمعي جوب الفيافي

في نشاف تخف منه الرؤوس

إنما هذه القلوب حديد

ولذيذ الألفاظ مغناطيس

فلننزل على حكم الصفي الحلي ونستبعد هذه الألفاظ وأمثالها. وكما يكون عملنا في المعاجم التفتيش عما يصلح، يكون من عملنا أيضا النفتيش عمالا يصلح، وتقرير استبعاده وعدم إدخاله في المعاجم الجديدة. (ب)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٦٠