هناك من ليس أمامه في الدنيا إلا جسمه، يبحث حياته عن الأكل الطيب والملبس الطيب والنعيم الطيب، وذلك كل تفكيره، وكل سعيه، وكل غرضه؛ ركزوا في صحة جسمهم ونعيمه كل شعورهم، وكل عواطفهم، وكل ملذاتهم؛ فإن عملوا عملا خارج هذه الدائرة فلهذه الغاية، تعرفه بالإفراط في العناية بنوع ما يأكل، ومقدار ما يأكل، وبهندامه وبمرآه في المرآة، وبالحذلقة في حركاته وسكناته ونحو ذلك، ثم لا شيء؛ فهذا طفل كبير.
وإن شئت فعد من هذا القبيل ناسكا راهبا لا يفكر في أحد من بني آدم حوله، ولا يهمه حال قومه سياسيا ولا اجتماعيا، ولا يعنيه شقوا أم سعدوا، ولا يحمل تبعة شيء، ولا يصادق أحدا، ولا هم له في الحياة إلا نفسه وعبادته؛ أليس هو الآخر طفلا كبيرا شغلته «أنا» عن «نحن»؟
وهناك من يحد العالم بحدود نفسه، إذا فكر فكر فيها، وإذا عمل عمل لها، لا يعنيه من العمل إلا مقدار ربحه منه، خسر الناس أو كسبوا، لا يمنعه من الغش في عمله إلا خوف العقوبة، فإن أمنها عمل ما شاء ليربح مالا، أو يكسب شهرة، أو يحقق غرضا من أغراضه لنفسه، تعلم درس الأخذ ولم يتعلم درس العطاء، وليست الدنيا كلها وما فيها إلا قنطرة يعبر عليها للوصول إلى غايته، فهذا كذلك طفل كبير.
وهناك من يهرب - كالطفل - من كل تبعة، لا يقتحم الحياة ولكن ينتظر القدر، ولا يزاحم ولكن ينتظر الحظ، إن عرض له شيء متعب تنحى عنه إلى شيء مريح.
وهناك أسوأ من هذا: من رفع نفسه فوق الناس، فهم لم يخلقوا إلا له، ولم تخلق عيونهم إلا لتقع على مطلبه، ولا آذانهم إلا لتصغى إلى كلمته، ولا أيديهم إلا للعمل في خدمته، يسير في الحياة على ما يهوى، ويحب أن يسير الناس فقط على ما يهوى، فهذا أيضا طفل كبير؛ وكم في الناس من أطفال كبار، وهم في طفولتهم أشكال وألوان. •••
ارسم خطا مستقيما رأسيا، وضع في أسفله «أنا» وفي أعلاه «نحن»، وامتحن نفسك: كيف أنت في عملك، هل لا تنظر إلا إلى شخصك، أو تراعي فيه مصلحة قومك؟ وكيف أنت في علاقتك بالناس وعلاقة الناس بك، وهل تؤدي زكاة مالك، وزكاة علمك، وزكاة فنك، وزكاة كفايتك، أو تشح بكل ذلك، فلا تنفقه إلا لمال أكثر تحصله، أو جاه تبتغيه؟ وكيف أنت في نياتك ومقاصدك، هل يؤلمك بؤس الناس وشقاؤهم وفقرهم، فتتعاطف معهم، وتعمل جهدك لإسعادهم، أو أنت وبيتك، ثم على الدنيا العفاء؟ وحدد بذلك كله مركزك من الخط المستقيم، فإذا قربت جدا من «أنا» فهذا دليل الطفولة ولا محالة، وإن قربت جدا من «نحن» فأنت رجل.
هذا هو التقويم الصحيح للناس، وهو - مع الأسف - غير ما تواضعوا عليه، إنهم يقدرون الرجل بماله وبجاهه وبمنصبه، وبكل شيء إلا قيمته الحقيقية؛ ولو راعيت هذا المقياس الحق الذي ذكرنا لرفعت من شأن عامل بسيط على صاحب مصنع كبير، وموظفا في الدرجة الثامنة على موظف في الدرجة الأولى، ومعلما أوليا على سري كبير، وكناسا مخلصا على طبيب غير مخلص، وجنديا مجهولا على قائد مشهور. ولكن أتى لنا المدنية الحقة التي تهدم نظام القيم المتعفن لتضع مكانه نظاما للقيم نظيفا؟
| نظرة في إصلاح متن اللغة العربية
اللغة العربية لغتنا، فيجب أن تخضع لحياتنا، تنمو بنمونا، وتسير مع زمننا وزمن من يأتي بعدنا، تسايرنا في تقدمنا وتكون أداة طيعة لتطورنا، لا أن تقسرنا على أن نرجع إلى الوراء، ونعيش عيشة القرون الوسطى. ولغة كل أمة عنصر من عناصر تكوينها، ورقيها أو انحطاطها، لها الأثر الكبير في تكوين النزعات والأخلاق فيها؛ فإن اللغة متن الأدب، والأدب غذاء العقول والأرواح، وهو الطابع الذي يطبع الأمة بطابع السمو أو الضعة، والمرة أو الذلة.
ونظرة واحدة إلى تاريخ اللغة العربية وموقفنا منها الآن، يبين لنا مدى، الخطر الذي يحيط بنا؛ وهو يتلخص في أن جماعة من العلماء في صدر الدولة العباسية ساحوا بين قبائل العرب يجمعون منهم مفردات اللغة، وكان برنامجهم ألا يأخذوا عن حضرى قط، ولا عمن خالط الحضر من أهل التخوم، وكلما أمعنت القبيلة في البداوة كانت أولى بالنقل عنها، كقيس وتميم وأسد ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، وأودعوا كل ذلك كتبهم التي صارت نواة لمعاجم اللغة، وهم - من غير شك - يشكرون كل الشكر على ما بذلوا من جهد وكابدوا من عناء. ولكن موضع الخطأ فيهم أنهم ومشايعيهم رأوا أن اللغة العربية ليست إلا هذا الذي جمعوه، لا يصح أن تزيد ولا تنقص، وكانت النتيجة الطبيعية لهذه النظرة أنهم يريدون ألا يستعمل الناس أيام الدولة العباسية البالغة مبلغا عظيما من الحضارة إلا ما كان يستعمله هؤلاء البدو في معيشتهم البدوية، ومحال ذلك - لهذا رأينا اللغة غنية غنى مفرطا في أدوات البدو ووسائل معيشتهم، فقيرة جدا في حاجات المدنية ووسائلها، ولهذا اضطر غيرهم - بعد أن ضغطت عليهم المدنية - إلى التعريب بعد أن أعرضوا عنه، نزولا على حكم الطبيعة وتطور العمران، وخلطوا ما أحذوه عن القبائل بما عربوه من الأمم الممدنة، فأضاعوا بذلك القاعدة الأولى التي رسموها لأنفسهم، وهي الأخذ عن العرب الخلص فقط، ولو كانوا أدركوا هذه النتيجة لسمحوا لأنفسهم من أول الأمر بالأخذ عن القبائل التي اختلطت بالعجم أيضا، فهم على الأقل أولى من العجم الصرف الذين عربوا عنهم.