فإذا نحن سمونا لدراسة «الرجال» وعظماء الناس، رأينا استغراقا وعمقا في «نحن»، وضمروا في «أنا»؛ رأينا الرجل العظيم الناضج يصل إلى منزلة يرى معها أن لا قيمة لحياته إلا إذا ارتبطت بحياة الناس والعمل لإسعادهم، لا يقتصر على علاقاته الطيبة بمن حوله في الأعمال العادية، ولكن يضع نصب عينه العمل لترقية الناس روحيا ونفسيا وماديا؛ لا يرى أن مسئوليته هي نحو أسرته فقط، ولا أصدقائه فقط، ولا قريته أو مدينته فقط ولكن لأمته خاصة، وللإنسانية عامة إن وسعه الجهد والكفاية؛ هو واسع النظر، عميق الفهم، رحب الصدر، متسامح أمام ما يشمل العقل من العصبية الوطنية والدينية والخلافات، الحزبية؛ يختبر حاجات الناس وأسباب شقائهم في الناحية التي هو معد لها، ثم يوجه إرادته لرفع الشقاء عنهم، وجلب السعادة لهم ما أمكن، ويحمل مسئولية ذلك في لذة وسرور وتضحية، ولا بأس إن كان فقيرا، ولا بأس إن لم تنبته أسرة أرستقراطية، ولا بأس إن لم يتسلح بقوة، فهو يشعر أن نبل غرضه قوة فوق قوة المال، وفوق الأسرة النبيلة، وفوق أسلحة الناس.
إذا كانت جماهير الناس يعملون للأجر، ويقومون العمل بالمال، فإن أعطوا كثيرا عملوا كثيرا، وإن أعطوا قليلا عملوا قليلا، ويفاضلون بين عمل وعمل بقدر ما يدر من ربح، فإن هؤلاء العظماء يعملون لأنهم يلذهم العمل، ويقومون العمل بمقدار ما يحقق من خير لأمتهم وللإنسانية أجمع؛ يدأبون في العمل، ويعرضون حياتهم للخطر في سبيل مرض يكتشفونه وداء يعالجونه به، أو في سبيل تحرير العقول من أغلالها، أو تحرير العقيدة مما أفسدها، أو يحاربون الظلمة والطغاة لتحقيق العدل في الأمة أو العالم، يحتملون في ذلك العذاب ألوانا، لأن عشقهم للحق غلب حبهم للذات، وهيامهم ب «نحن» أضعف حبهم ل «أنا». فإذا قال الطفل «أنا»، وقال الإنسان العادي «أسرتي»، قال الرجل «أمتي»، أو «عالمي»؛ وإن تلذذ الناس بالعمل يربح، تلذذ هو بالفكرة تنجح؛ وإن تساءلوا عند العمل: ماذا نجني من دخل؟ تساءل هو: ماذا يستلزم العمل من جهد؟
قد منحهم الله قوة من فوته، وقدرة على الخلق من قدرته: يخلقون النافع فيما حولهم، ويبتدعون الجمال ينشرونه في دائرتهم، فهم - دائما - مصدر نفع وجمال. حددوا غرضهم في الحياة، فعلموا أنهم لا يصلون إليه إلا إذا فهموا حق الفهم دنياهم التي يعيشون فيها، وطبائع نفوس الناس في الاستجابة للإصلاح والنفور منه.
يلتذون تحمل التبعات كما يلتذ الجبناء الهرب منها، يواجهون الصعوبات بابتسام، ويتقبلون الهزيمة ريثما يستعدون للوثوب؛ أقوياء في خصومتهم. صابرون في هزيمتهم، كرماء سمحاء في انتصارهم؛ آلوا على أنفسهم أن يكونوا قوة محاربة للشر المحيط بهم حتى ينهزم، وأن يكونوا ضوءا يدافع الظلام حتى ينجاب، يكرهون من أعماق نفوسهم المرض والجهل والفقر، والسخافة والتخريف، وكل عيوب البشرية، ومع هذا يمزجون كراهيتهم لهذه الأشياء بالعطف على المنكوبين بها حتى ينقذوهم منها.
كافأتهم الطبيعة على حسن صنيعهم براحة ضميرهم وطمأنينة بالهم، لأن الطبيعة فرضت أن يكون الإنسان اجتماعيا، وفرضت أن ينبع سنة الارتقاء، فأثابت من جرى على سننها، وعاقبت من خالف قوانينها؛ فإذا رأيت سأما وضجرا بالحياة، وميلا إلى الانتحار، وجنونا بعد عقل، وشقاوة نفس بعد سعادة، فثم - ولا شك - قانون طبيعي خولف، وطريق مستقيم عدل عنه. •••
ثم الأمر في النفس ليس كالأمر في الجسم فقد ينضج الجسم ويكتمل، والنفس لا تزال على حالها نفس طفل؛ فالشاعر كان محقا حين قال: «جسم البغال وأحلام العصافير»، وفي الناس حولنا أشكال وألوان من هذا القبيل، رجولة جسم وطفولة نفس، ومقياس ذلك الذي لا يتخلف هو ضمير «أنا» و«نحن»؛ فإن رأيت لا شيء إلا «أنا» رأيت طفلا مهما كان جسمه وسنه، وإن رأيت «نحن» كثيرا و«أنا» قليلا رأيت رجلا، والرجال قليل.