تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسمعت قارئا يقرأ

الحمد لله رب العالمين ، فكأن هذه الآية لم تدخل سمعي قبل الآن، فقد فهمت أن العالمين، هي هذه العوالم العظيمة التي ليست المجموعة الشمسية إلا عالما صغيرا منها، وما قد علمنا من العوالم أقل بكثير مما لم نعلم،

ويخلق ما لا تعلمون .

وقلت: ليت الذين يختالون تيها، ويخطرون عجبا، ويمسون حواجبهم، وينفخون أشداقهم، وليت الذين يتجاوزون قدرهم، ويعدون طورهم، ويفترون بمالهم وجاههم، ويعتزون بعلمهم أو فنهم أو أدبهم؛ وليت العتاة والطغاة والمستبدين، ومن يرددون أنا وحي، ومن يتحكمون في أممهم اغترارا بسلطانهم أو قوة جيشهم؛ ليت كل هؤلاء يرحلون معي هذه الرحلة العالمية، فيرون منها قيمة الأرض التي يفخرون بزخرفها ووزنها الذري الذي يطمحون إلى السيادة على بعض منها؛ إذن لتصاغرت إليهم نفوسهم، وأقلعوا عن غرورهم، وتضاءلت منهم أمانيهم ومطامحهم، وطارت نعرة رأسهم، واعتدل صعر خدهم.

ورأيت أني إن بقيت على هذه الحال لم أصلح للحياة، ولم تنسجم نفسي مع ما حولي ومن حولي، فكلما وقع نظري على شيء قارنته بالعوالم الأخرى فاستصغرته؛ ورأيتني كالمجنون وسط عقلاء، أو العاقل وسط مجانين، يتصرفون فلا أفهم كيف يتصرفون، وأتصرف فلا يفهمون ما أعمل، وأتحمس لأشياء لا يأبهون بها، ويتحمسون لأشياء لا آبه بها، وكأن لي عيونا غير عيونهم، وآذانا غير آذانهم؛ ورأيت أن العيش على هذا المنوال محال، فإما أن أرحل إلى العوالم الأخرى وأعيش فيها أبدا، وكيف وقد علقت بالنفس ثاء الجسم الثقيل كما يقول ابن سينا، وإما أن أنسى رحلتي، وأعود إلى حياة الأرض سيرتي، وأزود العوالم الأخرى لماما كلما شغلني أمر، أو ضغطني هم، ففضلت الثانية مرغما، فلا رأى لمن لا يطاع!!

| أخلاق الطفولة وأخلاق الرجولة

لاحظ الطفل، وأمعن النظر في تصرفاته، وراقب البواعث على حركاته وسكناته، تخرج بنتيجة حتمية، وهي أنه أناني مفرط الأنانية، يرى أن أهم ما في الوجود شخصه، وكل شيء حوله يجب أن يكون له؛ ما يصدر عنه من أعمال فإنما هي لجسمه، وللذة يلتذها جسمه، ليس يهمه أي شيء يتصل بغير شخصه، لا يعنيه من أمه إلا أن ثدييها وعاء للبنه؛ كل ما له من عمل، وكل ما له من شعور، وكل ما له من فكر، وكل ما له من رغبات، فإنما هي موجهة نحو ذاته؛ فإذا أحس فراعا من الزمن ليس فيه شيء مما يشتهي ويلتذ بكى، لو كلف أن يرسم خريطة العالم كما يرى، واستطاع ذلك، لرسم شخصه فقط، وكان هو العالم وحده وما عداه من شيء فلخدمته.

لاحظه بعد ذلك وهو ينمو، تجده يتحول من «أنا» قليلا قليلا إلى «نحن» شيئا فشيئا، فهو يبدأ يشعر بأسرته بجانب شخصه، ثم بتلاميذ مدرسته بجانب نفسه، ويتعلم دروس الأخذ والإعطاء بعد أن كان درسه الوحيد هو الأخذ، ويضم إلى العمل لشخصه العمل لغيره، ويعتاد ألا يعمل فقط ما يحب، بل يعمل أيا ما يجب، ويعمل ما تقتضيه التقاليد، ويعمل خوف الاستهجان أو العقوبة أو نحو ذلك - يتعلم ذلك كله في أسرته وفي مدرسته، وفي ألعابه وفي شارعه؛ ويتولد فيه شعور وتفكير ورغبات للعمل للغير، كما تولدت فيه من قبل هذه الأمور للعمل لشخصه.

ويرقى فيه الشهور ب «نحن» إذا اتسع أفقه في الحياة العامة، وخرج من المدرسة وتولى عملا، وعامل الناس وتبادل معهم المنافع والمصالح، فيشعر بأن هناك أناسا غير أسرته وغير مدرسته وغير معارفه، وأنه مرتبط ببعضهم في التعامل، ويشعر بأن هناك مسئولية ملقاة على عاتقه نحو من يعمل معهم، وأنه خاضع لقوانين البلاد، وله ربواط بقومه وأهل دينه ونحو ذلك، كما يشعر أنه يجب عليه العمل، لا كما يحب كالطفل، ولا طاعة للتقاليد أو خوفا من العقوبة كالفتى، ولكن ليحصل رزقه يقوت به نفسه أو أهله أو من يحمل عبئهم؛ وهكذا تراه يبعد بعض الشيء من «أنا » ويقرب من «نحن»، ولكن في حدود ضيقة معينة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٥٧