لم أصادف في رحلتي إلا قليلا من أهل الأرض، ليس منهم الذين قضوا حياتهم بين مزارعهم ومصانعهم لا عمل لهم إلا أن يحسبوا دخلهم وخرجهم، وليس منهم من اقتصروا على الحاجات الحسية والحياة المادية؛ وإنما رأيت طائفة من الشعراء ليس منهم أو نواس ومدرسته الذين غنوا للخمر واللذات الجسمية، ولا أبو تمام والبحتري ومدرستهما ممن غنوا للملوك واستجدوا الأغنياء، فهؤلاء جميعا التصقوا بالأرض ولم يرفعوا أعينهم إلى السماء؛ وإنما وجدت أبا العلاء حائرا يبحث عن سر النجوم وينشد:
أمنيته شهب الدجى أم محسة
ولا عقل أم في آلها الحس والعقل
ويقول:
يا ليت شعري وهل ليت بنافعة
ماذا وراءك أو ما أنت يا فلك
كم غاض في إثرك الأقوام واختلفوا
قدما - فما أوضحوا حقا ولا تركوا
شمس تغيب ويقفوا إثرها قمر
ونور صبح يوافي بعده حلك
طحنت طحن الرحى من قبلنا أمما
شتى ولم يدر خلق أية سلكوا
راموا سرائر للرحمن حجها
ما نالهن نبي لا ولا ملك
ورأيت ابن الشبل البغدادي يطوف حول العالم ويقول:
بربك أيها الفلك المدار
أقصد ذا المسير أم اضطرار
مدارك قل لنا في أي شيء
ففي أفهامنا منك انبهار؟
ومعهم طائفة من شعراء العرب وغيرهم من الأمم ممن ترفعوا عن ضوضاء الأرض ونزعات التنازع، وحلقوا فوق الخصومات، ونظروا إلى الإنسانية كوحدة، بل إلى العالم كوحدة، وغنوا للناس ليسموا سموهم، وينشدوا مثلهم - وقد سبقهم إلى ذلك درجات شعراء الصوفية، وعظماء رجالها الذين أدركوا وحدة الوجود، وجمال الخلق والخالق، وأحاطوا بالعوالم علما، ووصلوا إلى قلبها ينبغض وروحها تختلج، ونفذوا من مظاهرها السطحية إلى تياراتها الخفية. وقابلت الأنبياء الذين قطعوا اللاأبدية إلى الأبدية في خطوة، وأدركوا الحق وعشقوه وهاموا به، ورأوا أعراض الحياة لا قيمة لها والخير في السمو الأبدي، ويوم يجيء موت الأعراض تبقى الحياة متصلة بالرفيق الأعلى.
وفي طريقي للعودة عرجت على طائفة من الفلكيين والمنجمين كانت ميزتهم أنهم اكتشفوا حقارة الأرض وعظم السماء، وشغلوا بالمسافات والأبعاد وتحليل الأشعة ورسم الخرائط الجوية، ولكنهم وقفوا عند المظاهر، ولم ينفذوا منها إلى قلبها النابض، ولذلك لم أرهم إلا حين قاربت الأرض.
عدت بعد رحلة ممتعة كاد ينعدم فيها الزمان والمكان. ولما قاربت الأرض كدت أختنق من الهواء، لأني اعتدت أن أعيش في غير هذا الهواء؛ شعرت شعور من يسكن الكوخ بعد أن سكن القصر، ومن يعيش في أرض قاحلة بعد أن أقام في البساتين الناضرة؛ وكلما قاربت مس الأرض أحسست ضوضاء وجلبة مختلطة غير منسجمة صدعت رأسي، وأصمت أذني.
وأدركت أني وإن خلق جسمي من تراب، وسيعود إلى تراب، فإن حبي الذي يلتهب في قلبي، وفكري الذي يجول في رأسي، ونفسي التي تحل في جسمي، تتصل بالخلود، وتنتقل من خلود إلى خلود، تسطع عليها العوالم الأخرى، كما تسطع النجوم على الأرض، وتستمتع بالاتصال بالأرواح الأخرى، وتسعد بالعمل على فك الأرواح المقيدة من أغلالها، وتبديد الظلام الذي يحيط بها، والأخذ بيدها لخير الإنسانية حتى تسمو إلى العوالم العليا - ورأيتني لم أخش الموت لأني فهمت حقيقته. •••
وأعجب ما كان مني يوم عدت من رحلتي، أني برمت بكل ما حولي، قرأت الجرائد فاستسخفت كل ما أقرأ: أخبار الحروب تافهة وحقيرة لأن الإنسان الذي يقوم بها حقير، ومكان الحروب جزء من الأرض الحقيرة؛ فلما قرأت أخبار الوفيات والحفلات، والحركات والتنقلات، والجرائم والسرقات والسياسات، رأيتها أسخف وأسخف، فعلى بعد خطوات من رحلتي انقطعت هذه الضوضاء كلها، وكانت كلها أهون من فقاقيع على سطح الماء وجلست عصر هذا اليوم إلى الناس أسمع حديثهم في الغنى والفقر، وصنوف السعادة والشقاء، والملذات والآلام، والجمال والقبح، فلم يقع ذلك كله من نفسي في قليل ولا كثير، لأني كنت لا أزال مبهورا بجمال ما رأيت، وعظم ما شاهدت في السياحة، فكان كل هذا الحديث وموضوعاته أقل في سمعي من طنين ذبابة!