قرأت هذا فرأيتني أملك خيرا من هذه المطية، وأسرع من هذا الضوء، وهو خيالي وفكري الذي يستطيع أن يرحل إلى هذه العوالم في لحظة، ويطوف حول الكون في لمحة. ومن اين لي بآلاف الملايين من السنين والعمر قصير والمدى طويل؟!
لقد ركبت خيالي وطفت هذه العوالم في رحلة عجيبة حقا، وعدت بنتائج بهرتني: لقد رأيت في هذه الرحلة أن أرضنا التي ملأتنا صراخا وصياحا لا تساوي في هذه العوالم قطرة من البحار، ولا ذرة من الرمال؛ وأني على مسافة قصيرة من رحلتي لم أتبينها في خريطة الكون لضعة شأنها وحقارة أمرها، فهي بما عليها من جبال وبحار وأنهار ونبات وحيوان وإنسان لا تساوي شيئا، وصدق الأثر: إن دنيانا عند الله لا تزن جناح بعوضة.
كان من غرور الإنسان أن أعتقد أنه أرقى مخلوق في العالم، وأن العالم كله مخلوق له، وكان ذلك لأنه لم ينظر إلا إلى أرضه ونفسه، وكان ينظر إلى النجوم كأنها حبات درر لامعة؛ فلما رحلت هذه الرحلة رأيت عوالم وعوالم لا يشعر أهلها بأن هناك شيئا اسمه الأرض، ولم يسمعوا بشيء اسمه الإنسان، لأن الأرض أصغر من أن تذكر بجانب ضخامة عوالمهم، والإنسان أحقر من أن تعرف حياته لضخامة حياتهم! - لو كان خلق هذا العالم كله للإنسان لكان أقل ما يقال فيه أنه تبذير حتى من الناحية الاقتصادية، كإسراف من يبني قصرا فخما لنملة، بل مدينة عظيمة لبعوضة - لقد ظن الإنسان بعقله القاصر أن العوالم الأخرى فارغة من الحياة، ولا حياة إلا في أرضه، وعلل ذلك بأن بعض النجوم ملتهبة لا تصلح للحياة، أو أنها لا تحوي العناصر الضرورية للحياة، كأن الحياة قاصرة على نوع حياته، ولا حياة إلا على نمطه - لقد رأيت في رحلتي أن كل العوالم مائجة بالحياة، وأن كل عالم له حياة تناسبه، ومحيط ينسجم معه؛ ولكن رأيتها كلها تخضع لسنة النشوء والارتقاء، فأنواع الحياة كلها تتدرج إلى العقل والحياة المفكرة، وإن اختلف منطقها. وقد رأيتها قطعت مرحلة منطقنا وتفكيرنا منذ ملايين من السنين، لأن الأرض من أحدث المخلوقات، فتفكيرها من أكثر أنواع التفكير سذاجة؛ ولذلك لما عرضت عليهم نوع تفكيرنا ونظمنا الاجتماعية، أمعنوا في الضحك بأكثر مما نضحك من تصرفات حشرة، وكانوا أكثر إمعانا في الضحك حين حدثتهم بأخبار الحرب العالمية، فقد ضحكوا أولا من تسميتها العالمية، وقالوا ما أقبح جهلكم حين تنسبون ذلك إلى العالم، وما أسخفكم حين تحاربون لمطمع دنيء، وما أحمقكم حين لا تستطيعون أن تحلوا مشكلة صغيرة كهذه إلا بالقتل والتدمير والتخريب، فتعالجون حل مشكلة بخلق مشاكل أعظم منها!! حقا إنكم لبدائيون، وحين تصلون إلى ما وصلنا إليه نكون نحن قد وصلنا إلى السمو الأعلى، فالنسبة في سيرنا لا تزال محفوظة. ومسافة الخلف بيننا ستظل بعيدة.
كانت هذه الرحلة كأنها عصا سحرية غيرت معالم تفكيري، فأرضنا في هذا العالم كأنها خلية صغيرة من خلايا جسمنا بباقي الخلايا، ولو استطعنا يوما أن نتفاهم مع مخلوقات العوالم الأخرى لكان الاتصال أتم، وسيرنا أسرع. ولكن هل من وسيلة لأن تتفاهم النملة مع الإنسان، والبعوضة مع الفيلسوف؟ إن أرضنا بناسها وحيوانها ونباتها وجبالها ليست إلا موجة صغيرة على شاطئ المحيط، ونحن محصورون في حدود ضيقة من كلمات «أنا» و«نحن» وجميع ضمائر المتكلم، كما أننا محبوسون في حدود حواسنا التي لا تدرك من العالم إلا اللذة والألم؛ وإنما يستطيع التجرد من ذلك كله أحيانا الفلاسفة والمتصوفة والشعراء، فيخترقون حجب المظاهر، ويحسون - في لحظات - السمو عن هذه الجزئيات، فيلفون محيط العالم في لمحة، ويغرقون في بحر العالم من غير اختناق، ويفقدون أنانيتهم ليندمجوا في حياة العالم من حيث هو كل، ويدركون لذة ذلك بنوع من الإدراك لا يدانيه الإدراك بالعواطف ولا الإدراك بالعقل، ولا أي نوع آخر من الإدراك، ويشعرون أن العالم كله يتناغم مع نبضات قلوبهم، وخلجات نفوسهم، وإذ ذاك يدركون أن الله - فوق ما يستعين به جماهير الناس في مطالبهم الحقيرة - هو قلب العوالم الذي ينبض بحياتها، وهو إرادتها المحركة لها، ويرون أن الموت ليس إلا ذوبانا في وعاء الأبدية!