هذه هي المسئولية التاريخية في الموضوع. وبجانب ذلك مسئولية التربية، فالتربية التي تقيس الطالب بمقدار ما حصله لا ما هضمه، وبمقدار اطلاعه لا مقدار خلقه وابتداعه، وبمقدار حفظه لا بمقدار نقده، والتربية التي تقدس الكتاب ولا تقدس التجربة، والمدرس الذي يحاسب الطالب على ما أملى ويؤاخذه على ما خلق، والامتحان الذي يرتب الممتحنين حسب كثرة استذكارهم لا حسب كفايتهم، كل هذه الضروب من التربية تنتج التقليد، وتميت الابتكار، تخلق قردة مهرة، ولكن لا تخلق أناسي قادة، تخرج نسخا مطبوعة من كتب، ولكن لا تخلق كتابا خطيا مبتكرا، هي آلة تصنع المتشابهات والأمثال لا صنع يد تخرج عديم المثال؛ إن هذا النوع من التربية ينتج الطير، ولكنه حبيس في قفص، ومهما أتقنت فغايتها طير جميل في قفص جميل.
إنما التربية الصحيحة هي التي تكون المبتكر، وتكون القادة المبتدعين، وتكون الشخصية الواسعة، الشخصية الناقدة، الشخصية الخالقة، هي التي تحول «مركب النقص» في الناشئ إلى «التسامي».
كثيرا ما تساءلت ماذا كان يكون أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وعلي وخالد وأمثالهم من رجال الإسلام لو لم يكن محمد؟ كانوا يكونون كنظرائهم في الجاهلية، إغارة وخمر وميسر وفخر بالنسب وبالكرم، ثم لا شيء، وإنما تربية محمد لهم هي التي خلقت شخصياتهم وجعلتهم رجالا خالدين، يبتكرون ويبتدعون ويواجهون الأحداث العظيمة بقلوب عظيمة وعقول مفتحة، ويحلون ما يعرض من المشاكل حلولا مبتكرة لا على مثال سابق؛ وكذلك كان يكون شأننا لو وجدنا المربي الصالح الذي يستطيع خلق الشخصيات، فالوالدات لا يزلن يلدن، والطبيعة لا تزال تمنح كل أمة في كل عصر عقولها الطبيعية الممتازة وفنانيها الممتازين والأيدي الممتازة، ولكنها بذور صالحة لا تجد تربة، ومادة خامة لا تجد من يصنعها بل تجد من يتلفها - إن العدة للجيش لا تكفي لنجاحه ونصره، إنما ينصر إذا امتلأ عقيدة بقوته، وأن الله معه، وأن الملائكة تؤيده، وأن الواجب يدفعه، وأن الجنة تنتظره.
وسبب ثالث قد يضاف إلى الأسباب التاريخية وإلى التربية، وهو المجتمع، فقد يكون جوا خانقا للابتكار، وقد يكون جوا مشجعا على الابتكار - يكون جوا خانقا إذا سخر الناس فيه من الفكرة الجديدة وصاحبها، وإذا صفقوا للمتبع واستعاذوا بالله من المبتدع، وإذا حاربوا كل من آتاهم بما لا تهوى أنفسهم فحكموا تقاليدهم ولم يحكموا عقولهم، وإذا كان مقياس التقدير هو الملق والخداع والنفاق لا الكفاية الممتازة، فالمال ينهال على النوع الأول انهيالا، والحرمان والاضطهاد ينصب على الثاني انصبابا؛ ويكون جوا مشجعا إذا أعجب بمن يأتي بالفكرة الجديدة، وإذا وجدت الفكرة عقولا واسعة تتقبلها وتمنحها وتكافئ عليها.
لقد أقمت في أوربا أشهرا فأحسست - مع قصر المدة - بمعنيين واضحين، الأول أن الناس في الأمة يحب بعضهم بعضا أكثر مما نحب، وقد دعاني هذا أن أكتب مرة مقالا «الشرق ينقصه الحب»، والمعنى الثاني أن الناس يحاولون أن يبحثوا في كل شخص في مجتمعهم عن صفته الممتازة أو موهبته الفائقة ليظهروها ويشجعوها ويصفقوا لها، ونحن نبحث عنها ولكن لنكبتها ونخمدها بشتى الوسائل.
هذه - في نظري - هي الأسباب الهامة في غلبة التقليد عندنا وقلة الابتكار.
وهذه الأسباب بنت حولنا سدا كسد ذي القرنين، بعض أحجاره من مخلفات تاريخنا، وبعضها من مخلفات تربيتنا، وبعضها من مخلفات بيئتنا، وما زالت تتراكم وتعلو حتى حصرت الفكر، وحجبت عنا نور الشمس - وفي تشخيص الداء الدواء، وقبل الرماء تملا الكنائن.
| سياحة في العالم
قرأت هذه الأيام كتاب الدكتور مشرفة «مطالعات علمية»، ووقفت طويلا عند مقال له عنوانه «سياحة في فضاء العالمين»، وقد أعد لهذه السياحة مركبا من أشعة النور يسير بسرعة الضوء، فيقطع في الثانية 186000 ميل، وسيصرف نحو يوم في سياحته حول المجموعة الشمسية، فيصل إلى الشمس في ثمان دقائق، ويمر على المستري والمريخ وزحل الخ؛ فإذا جاوز المجموعة الشمسية إلى أقرب نجم من مجموعة أخرى قطع المسافة بينهما في أربع سنين، وسيرى في هذا العالم مجموعات من السدم، كل سديم مؤلف من مئات آلاف الملايين من النجوم، بينها مسافات تقدر بعشرات السنين الضوئية. وسيرى أن محيط الكون يقدر بنحو سبعة آلاف مليون سنة ضوئية؛ أي أننا إذا أرسلنا شعاعا من الضوء فإن هذا الشعاع يعود إلينا بعد سبعة آلاف مليون سنة، بعد أن يكون قد طاف حول الكون كما يطوف السائح حول الأرض، ويعود إلى حيث ابتدأ.