سألني مستشرق مرة - وكان يزور مصر - هل أجد في مصر فيلسوفا له فلسفة خاصة من أمثال برجسون وبرتراند رسل يدعو إلى مذهب في الفلسفة جديد، نبع من جوه المصري وتفكيره المصري، فقلت له - مع الأسف - لا. وسألني سائح أمريكي هل في مصر مصلح ديني الآن يقوم بدعوة جديدة لها أسسها ونظمها، فقلت له - مع الأسف - لا. ولو سألني سائل عن فنان له طريقته المبتكرة التي لم يقلد فيها شرقيا قديما ولا غريبا حديثا لقلت له - مع الأسف - لا.
راعني هذا التفكير، وأفزعتني هذه النتيجة، وتساءلت بعدها هل هذا التقليد وقلة الابتكار من طبيعة عقلنا أو من سوء تربيتنا؟
لقد وصلت إلى الإجابة سريعا، فآمنت أنه ليس من طبيعة عقلنا، ولا من أصل خلقتنا، فنحن في إدراك الأمور وفهمهما والحكم عليها لسنا أقل من غيرنا إن لم نفقهم، والطالب الشرقي يتعلم مع الطالب الغربي في مدرسة واحدة وجامعة واحدة فنراه يفهم كما يفهم الآخر وينقد كما ينقد، ويحكم على الأشياء كما يحكم، ويساويه أو يفوقه في كل مظاهره العقلية، وفي هذا ما يكفي للإقناع بأن المسألة ليست مسألة طبيعة العقل، وإنما المسألة مسألة تاريخ مملوء بالأوزار والأثقال، وتربية لا تبعث روح الإبداع، وجو مسمم يخنق القدرة على الابتكار.
في تاريخنا القديم أحداث عظام خطيرة كان لها الأثر الكبير في جمودنا حتى اليوم، لا أستطيع الآن استقصاءها وإنما أذكر أمثلة منها؛ فالناظر في تاريخ المسلمين يعجب من الحركة العقلية المبتكرة في القرون الثلاثة الأولى التي اخترعت فيها العلوم العربية والأفكار الحية، من مثل الخليل بن أحمد، ذي العقلية الجبارة في اختراع النحو والعروض ووضع المعاجم، ومن أمثلة المعتزلة الذين بحثوا البحوث الجديدة وأثاروها، وأبدوا رأيهم المستقل فيها، كالنظام والجاحظ، فهذا العصر يعد الابتكار طابعه وخاصته. وأرى أن وقفة الخليفة المتوكل في القضاء على المعتزلة ونصر المحدثين، كان لها أسوأ الأثر في مهاجمة الابتكار ونصرة التقليد، ذلك أن منهج المعتزلة كان منهج التفكير الحر في حدود أصول الدين، وبحث المسائل كما يؤدي إليه العقل الطليق إلا من قيد الإيمان بالله ورسوله، فاستطاعوا بذلك أن يبحثوا كل شيء في العال من إلهيات وطبيعيات، ويختلفوافي بحوثهم اختلافا جريئا محبوبا يخالف التلميذ شيخه ويجادله وقد يفحمه، ومنهج المحدثين غير هذا المنهج تماما هو منهج نقل وأمانة في النقل، ووقوف عنده والمحافظة على الجملة، بل على اللفظة، بل على الحرف، فإن انحرف في كلمة خرج على القداسة، وهو أسلوب طبيعي معقول مقبول في حدود الحديث وحده، ليس في ذلك غلط، وإنما الغلط جاء من تعميم هذا المنهج وتطبيقه بشدة وقسوة على سائر العلوم، فاضطهد الاعتزال ووضعت في يد المحدثين السلطة والقوة، فأثروا بسلطانهم وقوتهم ومنهجهم على كل العلوم، فانغمس أهلها في الرواية، وعودوا عادة النقل وتقديس الألفاظ والشيوخ والافتخار بكثرة ما يروى، وطبعت العلوم كلها بطابع الحديث، حتى التاريخ وحتى الأدب وحتى الفكاهة وحتى الفقه وحتى الشعر.
هذا المنهج كان معقولا في الحديث، وكان يجب أن يقصر على الحديث، فتعميمه على كل العلوم كان سببا في العقلية العربية والإسلامية وقعت في فخ التقليد، وحرمت الابتكار إلا في القليل النادر، فنحن لا نعد كثيرا من أمثال ابن خلدون المبتكر، ولكن نعد كثيرا من أمثال السيوطي المقلد.
ونشأت الأجيال والأجيال على هذا المنهاج، وأصبح التخلص منه عسيرا يحتاج إلى قوات كبيرة وسنين طويلة. ومن أجل ذلك لما دعا دعاتنا إلى الانتباه وعدم التقليد، وقعنا في تقليد آخر هو التقليد الأوربي، لأن ملكة التقليد لا تزال ساكنة في النفوس.
وسبب آخر تاريخي أيضا، وهو توالي الاستبداد والظلم على العالم الإسلامي من القرن الرابع الهجري إلا في فترات قصيرة، فالعسف ومصادرة الأموال، وكسب المال من طريق الملق والمدح، وإشباع شهوة الحكام، كل هذا هو ملخص تاريخ المسلمين، وكل هذا يضعف الشخصية، ويجعلها شخصية ذليلة مقلدة لا مبتكرة. والقارئ في التاريخ الأوربي يرى أن الأوربيين عند مرورهم في مثل هذا الطور من الحياة لم يبتدعوا ولم يبتكروا، وجرى عليهم قانون التقليد كما جرى علينا، وعظموا أرسطو أكثر مما عظمنا، وقلدوا في الفلسفة وفي الصناعة وفي الفن كما قلدنا، إنما ظهر الابتكار يوم تحرروا، فالحرية السياسية أنتجت الحرية الفكرية والاجتماعية والأدبية والصناعية - وكان ذلك قانونا طبيعيا يسير عليه العالم دائما.