وإذ ذاك ذكر فلاسفة بغداد القصة التي رويت لهم عن موت الإسكندر، وما قاله تلاميذ أرسطو في العظة به.
وكان أبو سليمان المنطقي رأس الفلاسفة فيها، وبيته ندوة كل من تفلسف، يسألونه فيما أبهم عليهم، ويستفتونه في أعقد المسائل فيجيب إجابة تدل على علم واسع وعقل ناضج.
فاجتمع عنده طائفة منهم يوم مات عضد الدولة ، واقترح عليهم أن يقولوا فيه كما قال تلاميذ أرسطو في الإسكندر.
وبدأ أبو سليمان فقال: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها، وأعطاها فوق قيمتها؛ وحسبك أنه طلب الريح فيها فخسر روحه.
وقال ثان: من استيقظ للدنيا فهذا نومه، ومن حلم بها فهذا انتباهه.
وقال ثالث: ما رأيت غافلا في غفلته، ولا عاقلا في عقله مثله؛ لقد كان ينقض جانبا وهو يظن أنه مبرم، ويغرم وهو يرى أنه غانم.
وقال رابع: أما إنه لو كان معتبرا في حياته لما كان عبرة في مماته.
وقال خامس: الصاعد في درجاتها إلى سفال، والنازل من درجاتها إلى معال.
وقال سادس: من جد للدنيا هزلت به، ومن هزل راغبا عنها جدت له. انظر إليه كيف انتهى أمره، ووضع شأنه، وإني لأظن أن فلانا الفقير الزاهد الذي مات بالأمس أعز ظهيرا من هذا الذي ترك الدنيا شاغرة، ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة.
وقال سابع: إن ماء أطفأ هذه النار لعظيم، وإن ريحا زعزعت هذا الركن لعصوف.
وقال ثامن: كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك، وهلا اتخذت دونه جنة تقيك؟ ماذا صنعت بأموالك والعبيد، ورجالك والجنود ... من أين أتيت وكنت قويا صارما ... إن فيك لعبرة للمعتبرين، وآية للمستبصرين.
وعلق ظريف على الموقفين فقال: إن الفرق بين الكلامين كالفرق بين الملكين. •••
إن كان هذا ففيم غرور المغتر، وطمع الطامع، وسطوة الظالم، وطغيان المستبد، وخيلاء المعجب؟
ورحم الله الحسن البصري إذ يقول: ما أكثر المعتبر وأقل المعتبر.
| الابتكار
أصل «ابتكر» في اللغة معناها بادر إلى الشيء، وابتكر الفاكهة أكل باكورتها ونحو ذلك - وهذا كل ما في كتب اللغة قديمها وحديثها. ثم استعملها المحدثون في معنى الابتداع والخلق فقالوا: بحث «مبتكر»، وفكرة «مبتكرة» يريدون أنها جديدة مبتدعة لم يسبق إليها.
أما المعاجم الإفرنجية فقديمها لم يذكر هذا المعنى للكلمة الإفرنجية المقابلة لكلمة الابتكار. وأما المعاجم الحديثة التي تجاري الزمان وتساير الإنسان فقد أدخلتها وعرفتها وقالت في تعريفها: «هي القدرة على إدراك فكرة جديدة، وإنتاج آراء أو مخترعات أو أعمال جديدة في الفن أو الأدب».
وقفت عند هذا التعريف طويلا بعد أن قلبت المعاجم العربية والإفرنجية، وتنقل بي الخيال من فكرة إلى فكرة حتى كان من ذلك هذه المقالة.
قلت: إن الفرق بين الشرق والغرب في كل شيء كالفرق بين مساجمنا في كلمة «الابتكار» ومعاجمهم، معاجمنا جامدة واقفة، ومعاجمهم سائرة متحركة، معاجمنا مقلدة يعرف الأخير منها الشيء والكلمة كما عرفها الأول، رغم تقدم العلم والإنسان واللغة، ومعاجمهم تتقدم بتقدم العلم والإنسان واللغة.
شأننا في العلوم كلها شأننا في اللغة، تقليد تام ولا ابتكار. قلب قواعد النحو وأمثلته تجدها هي هي عند سيبويه وابن مالك وابن عقيل، واستعرض قواعد البلاغة وأمثلتها تجدها هي هي في عبد القاهر والسكاكي وكتب المدارس، فزيد أسد وزيد كالأسد، ورأيت أسدا في الحمام، وله لبد أظفاره لم تقلم، وزيد كثير الرماد، وجبان الكلب، والدنيا قائمة قاعدة، والمخترعات والحياة الجديدة مستعدة لأن تمدنا بأمثلة جديدة واستعارات جديدة، ونحن جامدون على القديم. والفلسفة كانت عندنا تقليدا للفلسفة اليونانية، وكان الفيلسوف من يفهمها بله أن يبتكرها، والتأليف العربي الواسع الضخم كان عبارة عن جمع متفرق لا خلق ما لم يكن.
وكنا نقلد القديم فلما غزتنا المدنية الغربية كان كل ما فعلنا أن حولنا وجهتنا من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الأوربية، ومن الأدب العربي إلى الأدب الغربي، وغاية فيلسوفنا أن يفهم ما كتبه الأوربيون، وغاية أديبنا أن يقلد ما ابتدعه الأوربي من نوع القصة وموضوعها وأسلوبها أو من موضوع الشعر ونمطه؛ وشأننا في المعاني والأفكار والآداب والفنون شأننا في المخترعات وفي الصناعات والأدوات، ننتظر «الأوتوموبيل» حتى يبتدع فنركبه، و«الراديو» يخترع فنستخدمه، والآلات الصناعية تبتكر عند غيرنا فنشحنها إلى بلادنا ونشحن معها من يعلمنا كيف نركبها ونستخدمها، وإذا فسدت بحثنا عن أوربي يصلحها - والفرق بين الراقي منا وغير الراقي ليس فرقا في التقليد، فكلاهما مقلد، وإنما الفرق فيمن نقلده - فالفلاح غير الراقي يقلد قدماء المصريين في أدوات حرثه وزرعه، والمزارع المتعلم الراقي يقلد الأوروبي في أدواته وفنه، وكلاهما مقلد. والأديب المحافظ يقلد بديع الزمان والحريري، والأديب المجدد يقلد شكسبير أو فولتير أو نيتشه أو جوته وكلاهما مقلد، فأين المبتكر؟