تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصفات السوبرمان إنما يجب أن يبحث عنها في حياته النفسية الباطنة، في ضميره، في نحو ذلك مما لا يشاركه فيه غيره.

يرى الأستاذ «أوسبنسكي» أن من أول شروطه أن يكون روحيا لا ماديا، أن يكون فيه شيء من غموض التصوف، أن يكون متصلا بنفسه بما وراء المادة، فذلك يجعله ينظر إلى العالم المادي نظرة غنية خصبة، فلا يصح أن يكون «السوبرمان» مجرد رجل أعمال كبير، ولا فاتح عظيم، ولا سياسي قدير، ولا عالم متبحر؛ بل يجب أن تكون فيه نفحة من الأولياء والقديسين، أن يكون ملهما، أن يكون متصلا بدائرة الخفى والغيب والمجهول، أن يكون فيه ميزات غير مألوفة وغير عادية - أن يكون بعيدا عما يقرره أصحاب نظرية النشوء والارتقاء من نظرهم للإنسان على أنه قرد راق، ولا على أنه تاريخ متطور.

ويرى أن هذه النظرة الروحية حقة وجميلة، وشرط أساسي للسوبرمان، ولكن صد عنها الناس وصدفت عنها المدنية الحديثة والعلم الحديث، لما شوهت به من عفاريت وخرافات؛ ولكن هذا ليس عيبا في الفكرة، فالشر - دائما - هو تحويل الشيء العظيم إلى شيء صغير حقير، وليس هناك شر عظيم، وليس الشر ولا الرذيلة إلا شيئا عظيما أفسده الناس بتخيلهم الباطل، فخيالهم الباطل وتصورهم الفاسد هو الذي أفسد الدين العظيم، والمدنية العظيمة، والعلم العظيم، ونشأ من هذا الخيال الفاسد دين فاسد، ومدنية فاسدة، وعلم فاسد.

ويقول: إن هذا الفساد يأتي على وجهين: إما من وضع الفاسد موضع الحق، كوضع ز السمك؛ وإما من تزيين الباطل وزخرفته، حتى يرى الناس جماله المزيف ويفترون به، ويغريهم جماله به فيظنونه حقا.

إن هذا الاتصال بالمجهول صعب تصوره وصعب التعبير عنه، إنما قارب التعبير عنه الفن من شعر وموسيقى وتصوير، كما قارب التعبير عنه الدين والتصوف. وإذا كان من مقومات السوبرمان هذه النزعة الإلهامية أو التصوفية أو ما شئت فسمها، كان من الواضح ألا يكفي في تكوينه قوة العقل وقوة المنطق، بل يجب أن يضاف إلى عقله الواسع الكبير عواطفه الواسعة العظيمة الراقية، على شكل يصعب تصويره والتعبير عنه - ومن أجل هذا نراه ينزع إلى نوع من الحياة غير العادية وغير المألوفة للإنسان العادي، كما نقرأ في سيرة محمد والمسيح، وبوذا، يشغل تفكيرهم وعواطفهم أشياء لا تشغل الناس، ويقدرون ويسرون ويألمون مما لا يأبه الناس له في العادة.

ومن أجل هذا يساء فهمه ويساء تقديره، فيرمى تارة بالجنون، لأن فيه هذه النزعة المجهولة، وبأنه ساحر أو مسحور، ولا يستطيع أن يفهمه ولا يؤمن به من قصر نظره على المادة، ولو كان عالما ماديا، أو أخلاقيا ماديا، أو عالم نفس ماديا، أو رجل أعمال لا يفهم من الحياة إلا المال والربح والخسارة أو نحو ذلك؛ ولا يؤمن به إيمانا حقا إلا من آمن بهذه النزعة الروحية، وكان لديه استعداد لفهمها أو لديه أثارة منها.

ومن ناحية أخرى، هذا السوبرمان بهذه النزعة الروحية عرضة لأن يقلد تقليدا مزيفا عن طريق الشعوذة، كما قص علينا من سحرة فرعون، وكما روى التاريخ من ادعاء مسيلمة، ونحوهم في التاريخ كثير في كل الأمم وفي كل الأديان. والتفرقة بين الصحيح والمزيف في هذا الباب من أعقد الأمور، لأن المزيفين يستغلون جهل الناس بالمجهول فيكثرون من ادعائهم، ويتقنون دعاويهم وتقليدهم.

هذا العنصر من الروحانية ومن الاتصال بالمجهول، أو كما يسميه المسلمون الاتصال بالغيب، يجعل فهمنا للسوبرمان من أعقد الأمول وأصعبها، كما أن ما لحق بالفكرة من التزييف جعلت الفلاسفة المحدثين من الغربيين يعتبرون هذه الأفكار ضربا من السخف والتخريف، ولكن ظهرت بوادر فلسفة تؤمن بها وتدرسها، وترى ما ورد في الأديان من المعجزات ورموزا لمعان نفسية.

ثم يجب ألا ننظر إلى السوبرمان على أنه فرد ترقى حتى صار إنسانا كاملا؛ إنما يجب أن ننظر إليه من حيث هو خلاصة للإنسانية، ومظهر لوجوهها المختلفة، هو كثمرة الشجرة، نتيجة لكل شيء فيها، من جذورها وساقها وأغصانها وزهورها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٤٩