تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو بطبيعة تكوينه وبطبيعة نزعاته ينظر إلى الأشياء على غير ما ينظر الناس، قد أضيئت له الدنيا حين أظلمت أمام الناس، كأنما منح عينا جديدة لها خاصية في النظر جديدة، أو كأنما عيناه قد منحتا من الخواص ما لم تمنحه عيون الناس.

قال بعض المفكرين: هب أن السوبرمان كما ذكرت، وأنه خلاصة حياتنا، فما قيمته لنا، وما نفعنا به، وما علاقتنا بوجوده؟ إننا على هذا الأساس لسنا إلا أرضا ينبت فيها زهره، وطينا يصاغ منه تمثاله، وفقراء ننظر إلى قصره البديع، وفي ظلام ننظر - عن بعد - إلى ضوئه المحيط به، نصرف حياتنا في جمع معلومات عن هذا العالم وشؤونه، ونرقى العلم في جميع نواحيه بعد الكد والعناء، ثم يأتي السوبرمان ويقول: إن علمكم ليس إلا ضلالا وتافها وقليل القيمة، وأنه ينظر إلى العالم فيرى حقيقته بعينه الجديدة وملكاته الخاصة؛ ثم تأتون وتشايعونه على رأيه!

ولكن مع إقرارنا بصعوبة إدراكنا للسوبرمان وفهم حقيقته، فليس يعيش منفصلا عنا، وعلاقتنا به علاقتنا بالشمس تسطع علينا، وبالنور يضيء ظلامنا بشرط أن يكون لنا عيون تنتفع بضوئه، وإذا عميت العيون فليس الذنب ذنب الضوء، وهو ليس يحتقر العلم وصنوف المعارف، بل يؤمن بها ويشجعها، ولكنه يرى أن الجانب العلمي وحده - مهما صح واتسع - ليس يكفي لتفسير هذا العالم، وأن العقل العلمي المنطقي على أحسن حالاته إنما يكفي في وضع تصميم بيت وبنائه، في تحصيل الغذاء ونحوه، في معرفة أن اثنين واثنين أربعة، ونحوها ومركباتها، في الأرض وجيولوجيتها وجغرافيتها ونحو ذلك، في المعلومات السطحية للظواهر الطبيعية والكيماوية، في كل ذلك يكون العقل المنطقي محقا ومفيدا، ولكن إذا تخطى هذه الدائرة المحدودة وأراد أن يحل المسائل الكبيرة من مشكلات هذا العالم: هل يسير العالم ويخبط في سيره خبط عشواء، أو هو سائر على نظام مرسوم؟ هل هو وحدة مترابطة متناغمة، أو هو مجموعة من الأشياء المختلفة غير المتناغمة وإن كانت متلاصقة؟ ما الحياة؟ هل هي عارض من عوارض المادة كإفراز المعدة، أو هي شيء وراء المادة؟ هل الإنسان حر الفكر مختار أو هو مجبور مقيد بإرادة فوقه؟ ما حقيقة هذا الكون، وهل للكون وجود أو هو من نسج حواسنا وعقلنا؟ هذه الأسئلة ومئات أمثالها حيرت الإنسان قديما وحديثا، وحاول أن يحلها بشتى الحلو فعجز، وبالعقل المنطقي وحده ففشل؛ فكان ذلك لا بد أن يكون «السوبرمان» مسلحا أيضا بأكثر من سلاح المنطق، ومزودا بقوى للإدراك غير القوي العادية المألوفة، إن الحجرة يمكن رؤيتها من أوضاع مختلفة وأشكال مختلفة يختلف معها مقدار فهمنا لها. فكذلك نظر الناس إلى الحياة، بعضهم لا ينظر إليها إلا بحواسه، وبعضهم يضيف إلى الحواس عقله المنطقي، وبعضهم يضيف إلى ذلك كله ما منحه من قوة مدركة غير الحواس وغير المنطق، هي قوة الإلهام أو ما شئت فسمها، وهذا من أهم العناصر في «السوبرمان».

وسأتحدث عن بعض مميزات أخرى «للسوبرمان» في فرصة أخرى إن شاء الله.

| عبرة الموت

مهداة لروح المرحوم الأستاذ عبد العزيز البشري عقب وفاته

من قديم والإنسان أمام الموت مرتاع فزع، ومع أن الموت هو النتيجة الحتمية الطبيعية للحياة لم يتقدم الإنسان أي خطوة في سبيل تهوين أمره وتلطيف وقعه؛ ومع أنا إذا نظرنا إليه من الناحية الاجتماعية لا من الناحية الفردية وجدناه أمرا لا بد منه لحياة الجيل الحاضر والجيل المستقبل، إذ الأرض يستحيل البقاء عليها والعيش فيها، إذا لم يكن الموت - مع كل ذلك - فهذا التفكير المعقول لم يخفف الشعور بهول الموت، وعده المصيبة الكبرى.

أمامه تنهار كل القيم: فالمال والجاه والمنصب واللذائذ تتضاءل كلها أمامه، فيستهونها واجدها، ويستقل شأنها فاقدها.

وفي كل يوم عبر، فهو لا يرحم شابا لشبابه، ولا عظيما لعظمته، ولا أبا لحنوه، ولا صحيحا لصحته - سواء عنده كل شيء؛ فلو نظرت إليه الارستقراطية لانقلبت شيوعية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٥٠