ولا بأس أن يضحي العدد من العامة إذا اقتضى الأمر إيجاد هذه الصفوة الممتازة، فهم الذين سيخلقون الأمة بعد - ولهذا كانت دعوته دعوة أرستقراطية، ودعوة سيادة طبقة لا دعوة مساواة في الحقوق والواجبات، فيجب أن تتعاون الأمة على إيجاد غايتها، وغايتها هي الإنسان الكامل، ولذلك مجد الحرب لأنها وسيلة من وسائل وجود الإنسان الكامل، وهي خير لأن الخير في نظره ما يزيد الشعور بالقوة، والذي يميز الإنسان الكامل حبه للمغامرة والجهاد، ولا شيء تتجلى فيه هذه المظاهر كالحرب.
لقد كان «نيتشه» وهو يصف الإنسان الكامل يستملي صورته من الإسكندر الأكبر ونابليون وأمثالهما، ويستكمل ما فيهما من نواحي الضعف، ولهذا أشاد بذكر نابليون في كتابه «هكذا قال زرادشت» أكثر من مرة فيقول: «ما أروع منظر نابليون وقد وهب الملايين أنفسهم له كي يتخذ منهم وسائل لأغراضه، فإذا ما سقط منهم جندي تغنى باسم نابليون قبل أن يسلم الروح»، ويقول في موضع آخر: «ولقد أنتجت الثورة الفرنسية «نابليون» على عبئها وفوضاها».
ولكن هل هذه الصورة هي صورة الإنسان الكامل حقا؟ لقد يظهر أن تعاليم نيتشه سادت في ألمانيا، واتخذتها إنجيلا، وصبغت التربية بصبغتها، فمجدت الحرب كما مجدها نيتشه، واتخذت ملايين البشر قنطرة للإنسان الكامل، وآمنت بالقوة وجعلتها غرضا، فكانت هذه كلها مقدمة نتج عنها وعن أمثال هذه النزعات في الأمم الأخرى ما يعانيه العالم اليوم.
فهذا «السوبرمان» كما وصفه نيتشه ومن جرى على أثره لم يحقق أنشودة الإنسانية.
عيب هذه النظرة أنها اشتقت صورة الإنسان الكامل من الواقع، من نظرية النشوء والارتقاء، من البحث في علوم الاجتماع، وبنت حكمها على أن الإنسان قد تم بناؤه على هذا الشكل، وليس قابلا للتشكل أشكالا أخرى جديدة غير هذه الأشكال المألوفة، مع أن نظرة إلى ماضي الإنسان وحاضره ترينا الفرق الكبير في تشكله، وعلى هذا فسيختلف مستقبله اختلافا كبيرا عن حاضره.
وعيب هذه النظرة أيضا أنها اقتصرت على الجانب المادي والاجتماعي والاقتصادي في الإنسان، وعالجته كما يعالج العلماء الحجر والنبات والحيوان، وتجاهلت أن فيه عنصرا آخر روحيا ناميا غير هذه العناصر المادية؛ وكلما ارتقى الإنسان أحس أن له جانبين، جانبا ماديا يشارك فيه الجماد والنبات والحيوان، وجانبا آخر روحيا يحققه كلما رقى، وسيتحقق في مستقبله أكثر من ماضيه، ولهذا سيكون «الإنسان الكامل» في نظره غير الذي رسمه نيتشه.
| السوبرمان أو الإنسان الكامل (2)
لم يوفق نيتشه في هذا التصوير، وإن وفق في إثارة هذا الموضوع، وفي ثورته على الأخلاق القديمة، وتوجيه الأنظار إلى البحث في صفات الإنسان الكامل، فإنه لا بد أن يكون للناس مثل أعلى يصبون إليه، ويطمحون أن تكون نفوسهم قريبا منه، والأديان كلها عنيت بتصويره في أشخاص أنبيائها.
وكل من صور السوبرمان انتزعه من مخيلته، ومنحه من الصفات ما يحب، وجرده مما يكره، وكانوا يختلفون في تصويره بساطة وتركيبا، ويختلفون كذلك في تصويره حسب ثقافتهم ورقي عقولهم، فالناس في حالتهم الأولى تصوروه ماردا عملاقا طويل العمر، وهي نظرة ظاهرة البطلان، وآخرون، وإن تقدموا بعض الشيء، منحوه كل صفات المدح الإيجابية ونفوا عنه كل صفات الذم السلبية، وهذا التصوير أيضا لا يمكن أن يوافق الواقع، فقد أثبت علم النفس أن ذلك غير ممكن، وأن العبقرية إنما تنمو في بعض الفضائل على حساب فضائل أخرى، وليس يمكن أن تنمو الفضائل كلها إلى درجة العبقرية في خطوط متوازية متساوية.
ثم إن صفات الإنسان الكامل يجب أن تنحصر في صفات الإنسان من حيث هو إنسان، فالصفات التي يشاركه فيها غيره لا تصح أن تكون من خصائص الإنسان الكامل؛ فالطول لا يصح أن يكون ميزته، فمهما بلغ الإنسان لم يبلغ طول الجبال؛ ولا طول العمر يصلح، فهو مهما طال لا يبلغ طول عمر الأحجار وبعض الأشجار؛ والقوة الجسمية لا تصلح، فهي مهما بلغت لا تبلغ قوة الأسد.