تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا وضع - في كل العصور - صورة لإنسان كامل، إما من جميع نواحي الإنسان، وإما من ناحية من نواحيه كالبطولة والحكمة والعدل والعفة.

وقد وصف السوبرمان أوصافا مختلفة تبعا لاختلاف الواصفين وتصورهم له.

وكان الشرق من أكثر الناس ذكرا وإيمانا بالسوبرمان في إيمانه بالأنبياء الذين هم صورة للإنسان الكامل، اختارهم الله من بين خلقه ليكونوا صلة بينه وبينهم تبلغهم أوامره ونواهيه، وهؤلاء الأنبياء بحكم رقيهم وسموهم يستطيعون أن يتلقوا عن الله ما لا يستطيعه سائر الخلق.

وكان للصوفية مجال كبير في السوبرمان، فدار الإنسان الكامل على لسانهم، وكان أول من استعمله «ابن العربي»، وألف عبد الكريم الجيلاني كتابا بهذا العنوان «الإنسان الكامل» نحا فيه منحى الصوفية؛ وخلاصة نظرهم أن الإنسان الكامل هو من يرقى بنفسه حتى يتصل بالله الذي خلق الإنسان على صورته، يفنى فيه ويسلك ي حياته الطريق الموصل إلى ذلك، وهذا الطريق هو الذي سار فيه الأنبياء والأولياء والصالحون، وهو إذا وصل إلى هذه الغاية استطاع أن يدرك ما لا يدركه الناس ، ويعرف ما لا يعرفون، ويتذوق ما لا يتذوقون، ويتحرر من الحجاب الذي أسبلته عليه الحواس والشهوات، ولهم في ذلك كلام طويل.

وكان الأوربيون قد انغمسوا في دراسة الحياة الواقعة ونسوا الإنسان الكامل، حتى جاء نيتشه فألف كتابا في السوبرمان كان له من القوة والأثر ما أحيا الفكرة في أوربا من جديد، حتى ظنوا الفكرة جديدة.

وكانت قد ذاعت في الأفكار الأوربية نظرية النشوء والارتقاء وما يتبعها من الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، فتأثرت النظرة إلى السوبرمان بذلك وتأثر نيتشه بها فيما كتب عنه.

لقد استنزل نيتشه «السوبرمان» من السماء إلى الأرض، وجعله إنسانا يكون ويربي ويرقى إلى أن يصل إلى الغاية.

كان الإنسان الكامل في نظر «نيتشه» على العكس منه في نظر الصوفية، هو في نظر الصوفية روحاني إلهي سماوي، وهو في نظر «نيتشه» أرضي مادي ملحد.

قد اشتق «نيتشه» صورة الإنسان الكامل من القوة، فالقوة عنده كل شيء، والإنسان الكامل أكبر فضائله الرجولة والشجاعة والإقدام، لا التواضع ولا الرحمة ولا تأنيب الضمير، وأسمى ما في الإنسان الكامل قوة إرادته وثبات عاطفته، فهو إذا أراد غامر وجاهد ولم يرحم، وإذا نفذ ما أراد لم يندم؛ إن الإنسانية الكاملة تتجلى في النشاط والقدرة والقوة في كل أشكالها، والإنسان الكامل لا يحتقر الجسم بل لا بد أن ينميه ويقويه، إذ لا روحا قوية في جسم ضعيف، وفلسفة الإنسان في الحياة نتيجة حالته الجسمية ونتيجة نوع مأكله ومشربه وقوة هضمه. قوة الجسم وقوة العقل وقوة العاطفة هي مقومات الإنسان الكامل، ويجب أن يكون بين هذه القوى توازن تام، فلا تطغى إحداها بل تتوازن وتنسجم، ولا يكون ذلك حتى يكون هناك غرض يسعى إليه الإنسان الكامل، فهذا الغرض هو الذي يشرح مقدار الاعتدال بين القوى الثلاث أو الطغيان.

لهذا وجب في نظره أن يقضي على كل دعوة دينية أو فلسفية تدعو إلى الرأفة والرحمة والعطف على الفقراء والمجرمين، فالعاجز والمريض والجاني والضعيف والذليل والمتواضع كل هؤلاء رقع في ثوب الأمة يجب أن يعمل على إزالتها لينسجم الثوب.

ويجب أن تكون غاية الأمة العمل على إيجاد هذا الإنسان الكامل، وأن تجعل نفسها جسرا يخطو عليه، ولا تهتم بالأوساط والضعفاء بمقدار ما تهتم بالسادة، فإذا رأينا من تظهر عليه مخايل القوة والإنسانية الكاملة تداخلنا في زواجه ممن تظهر عليها أيضا مخايل القوة، حتى يكون النتاج قويا كما نفعل في انتخاب الحيوان واستيلاده، ثم يجب أن تتربى هذه الصفوة من الأناسي الكاملين في مدرسة قاسية عنيفة، يتحملون فيها الأعباء الثقال، ولا ينعمون فيها بالترف والرفاهية ويتعلمون فيها قوة الإرادة، وكيف يطيعون إذا أمروا، وكيف يطاعون إذا أمروا ويجب ألا يكون في المدرسة تنسك ولا زهد ولا احتقار للجسد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٤٧