وإلى جانب ذلك كله هناك صديق تعتبره كالغذاء الروحي لا تستغني عنه أبدا، وتشعر أنك في أشد الحاجة إليه دائما، ويصعب عليك أن يمر اليوم ولا تراه؛ وصديق كالفاكهة تحبها في موسمها، وتشتاق إليها حينا بعد حين؛ فهناك صديق تتلمسه إذا دعا داعي المرح، وصديق آخر تتلمسه إذا دعا داعي الجد.
قلت: هل انتهيت؟
الدكتور: تقريبا، فإن شئت فاسأل.
قلت: كيف تعلل ما نرى من ظاهرة غريبة، وهو أن صديق الصديق قد يكون صديقا، وأحيانا نرى صديقا واحدا لشخصين متعاديين؟
الدكتور: هذا صحيح، وتعليله ليس عسيرا بعد الذي ذكرت؛ ذلك أن نواحي الأخلاق في الإنسان متشعبة متنوعة، فإذا كان صديق الصديق مشتركا معك في نواحي الإعجاب المتبادل، والتناغم والاهتمام بغرضك، كان صديقا لك أيضا - ولكن يحدث أن يكون شخصان متعاديان لعدم الإعجاب وعدم التناغم وعدم اتحاد الغرض، ومع ذلك هما يلتقيان معك في نقطة فيها تبادل الإعجاب، كثلاث دوائر، لا أدري اسمها في الهندسة ولكن أستطيع أن أرسمها لك هكذا ، فمساوى المساوى مساو، ولكن ليس شبيه الشبيه شبيها دائما؛ فقد يخالف رجل رجلا في البياض والسواد، والطول والقصر، والعقلية الفلسفية والعملية، ولكنهما يلتقيان معك في شيئين عندك لكل منهما شيء، يلتقي الأول معك في حب الفن، وهو ليس عند الآخر؛ ويلتقي الآخر معك في نوع من الخدمة العامة لا يقوم بها الأول.
أواضح ما أقول؟
قلت: نعم! ولكن - يا دكتور - ألا ترانا قد بعدنا بعض الشيء عن موضوعنا الأصلي، وهو سؤالنا الأول: كيف تصادق هؤلاء المتخالفون!
الدكتور: بعد هذه القواعد العامة التي ذكرتها، لم يبق إلا التطبيق على «أ» و«ب» و«د» و«ج»، وهذا ليس بالعسير عليك، فتوله أنت بنفسك، فقد أحسست التعب من طول تفكيري في هذا الموضوع، وعرض نظرياته، فتعال بعد ذلك نتحدث فيما لا يتعب الفكر.
قلت: أنا أحوج إلى هذا منك؛ فأنت تتكلم في موضوعك بعد أن مرنت عليه.
وتحدثنا فيما لا يهم القارئ. ثم افترقنا وذهني مأخوذ بهذا الحديث المثير للتفكير.
| السوبرمان أو الإنسان الكامل (1)
من قديم أولع الإنسان أن يتصور إنسانا أعلى، إنسانا كاملا، إذ رأى الإنسان الذي يشاهده ويعامله إنسانا ناقصا، فصور صورا مختلفة كمل بها نواحي النقص المختلفة؛ فآلهة اليونان صور للإنسان الكامل في بعض نواحيه، والجن يعملون أعمالا يتشوق الإنسان أن يعملها ولكنه لا يستطيعها فيتصور الجن تعلمها، والسندباد البحري يقوم برحلات تصعب على الإنسان العادي فيتخيلها سهلة ميسرة لمثل السندباد.
ويأتي الزمان ببطل من ناحية من نواحي العظمة، فيفيض عليه الإنسان من خياله ما يكمل نقصه؛ فعنترة بطل شجاع ولكن البطولة الواقعية لا تشبع شهوة الإنسان، ولا تحقق رغبته كلها في إنسان كامل في الشجاعة، فيخلع عليه من خياله ما يكمل هذا النقص، فهو يبيد قبيلة بأسرها ويقف أمام الأعداء مهما كثر عددهم وتعددت أسلحتهم؛ وكذلك فعل مع الأبطال في النواحي المختلفة، فكمل نقص الفكاهة في «جحا»، والحكمة عند زرادشت وبوذا، والكرم عند حاتم، ولم يقنع بما فعله نابليون في الواقع فنسب إليه أفعالا من نسج خياله؛ وإذا قرأ أن بعض الناس عمروا مائة سنة أو مائة وعشرين لم يكفه ذلك وغذى شهوته في التعمير بنسبة العمر غير المعقول إلى بعض الأشخاص، فمنهم من عمر ثلاثمائة عام أو أكثر؛ ولم يرضه طول الإنسان العادي فنسب لآدم وحواء وعوج بن عنق طولا يبلغ مئات الأقدام حتى كان عوج بن عنق يشوي اللحم في الشمس من إفراطه في الطول وهكذا.
وكان شأنهم في المستقبل شأنهم في الماضي، فلم يرضهم الحاضر كيفما كان، ولم يرضهم الحاكم كيفما كان، فهو مهما عدل لا بد أن يعتريه النقص الإنساني فيظلم ولو بعض الظلم، فتصوروا مدنا يسود فيها العدل التام، وتخيلوا لذلك ما يسمى باليوتوبيا أو المدينة الفاضلة، وليس هذا موضوع كلامنها، ولكنهم تخيلوا أيضا إنسانا كاملا يأتي فيحكم الأرض بالعدل الكامل كما يؤملون، وعلى هذا نشأت فكرة المهدي المنتظر عند بعض المسلمين، يأتي فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وكان لها نظائر في الأمم الأخرى.