الدكتور: إن الجزء الأول من اعتراضك، وهو الإعجاب بالأموات، والإعجاب بالعظماء الأحياء عن بعد سهل الرد عليه، وربما كان سبب اعتراضك عدم التفاتك إلى نقطة هامة فيما ذكرت، وهو أن يكون الإعجاب متبادلا من الجانبين، فإنك إذا أعجبت بعمر أو خالد أو علي، أو أعجبت ببرناردشو أو ويلز، او عبد الوهاب أو أم كلثوم، فليس هناك إعجاب متبادل، وإنما هو إعجاب من جانب واحد؛ وبذلك لا تتم الصداقة.
وأما اعتراضك بأنه قد يكون الإعجاب مع الكراهية، فهو صحيح، ولكنه يؤيد رأيي، لأن كراهة شخص من بعض النواحي مع الإعجاب به من نواح أخرى تضعف قوة الإعجاب، فالكراهية والإعجاب متقابلان، والإعجاب يدعو إلى التصادق، ثم تلتهم الكراهية هذا الإعجاب فتقف حائلا دون التصادق.
وأريد أن أزيد شيئا أكمل به وجهة نظري، وهو أن الصداقة إذا تأسست على الإعجاب فيجب أن تغذي دائما، وإلا هزلت ثم ماتت؛ غذاؤها اتصال الأصدقاء ليتجدد الإعجاب، فإذا لم يتيسر فمبادلة الكتب أو تبادل الأحاديث التليفونية أو نحو ذلك من أنواع الاتصال، لأنه إذا لم يكن اتصال قدم الإعجاب وهزل حتى ينسى فتنسى معه الصداقة - والحديث المأثور: «تهادوا تحابوا» لا يزال صحيح المعنى، وليست قيمة الهدية بين الأصدقاء في ثمنها، وإنما فيما يحيط بها من معان؛ فتقديم الهدية معناه أني لا زلت أذكرك، وأني على استعداد للتضحية في سبيلك، وأني أوثرك بما تحب، إلى غير ذلك من معان نبيلة تؤكد الصداقة وتنميها، فالصداقة شجرة ورد لا بد من ريها، وإلا جفت.
وقد قرأت في هذا المعنى حكاية لطيفة حدثت، وهو أن سيدة أوربية متزوجة من غني كبير اعتاد أن يهديها في عيد ذكرى زواجها وردة صفراء جميلة، رمزا إلى الحب والإعجاب، فجاء عاما من أعوامها وأهداها في ذلك العيد صكا بعشرين ألف جنيه، فغضبت جدا، وألمت جدا، إذ لم يهدها الوردة الصفراء، لأنها رأت أن الوردة الصفراء - لا العشرين ألفا - هي التي تغذي روحها؛ فالمال عند غني قد يمنح صدقة، وقد يؤجر به على عمل، وقد يقدم لمائدة ميسر؛ ولكن الوردة الصفراء - رمز الحب - لاتعوض ولا تقدر بمال، ولا تقدم إلا من محب لمن يحب؛ وكيف يوزن الحب بالمال، وهو إذا وضع في كفة ووضعت الدنيا كلها في الأخرى ما تأثرت الكفة الأولى؟!
قلت: لا يزال في نفسي شيء مما ذكرت، فقد تتوافر الشروط التي قلتها من إعجاب متبادل، وكثرة اتصال ونحو ذلك، ثم لا تكون صداقة.
الدكتور: أرجو أن تنتظرني حتى أتم عرض رأيي، فإذا سكت فإنما أفكر في جمع ما يكمل فكرتي، وقد يكون جواب اعتراضك فيما سأذكر، فنستغني عن الأخذ والرد، لا سيما والموضوع عريض، وتحديده والإلمام بكل أطرافه ليس أمرا هينا؛ فأشكال الصداقة متعددة، وطباع الناس وأمزجتهم مختلفة، وحصرها كلها تحت قاعدة عامة في منتهى الصعوبة.
وما أريد أن أقوله الآن هو أنه يجب أن يضاف إلى ما ذكرت أن يكون هناك تناغم بين المتصادقين، وأن يكون هناك غرض واحد مشترك في شأن من الشؤون، ولست أريد بالتناغم اتحاد الطبع أو المزاج، فقد سبق أن بينت خطأ ذلك، وإنما أريد بالتناغم الانسجام، كالانسجام بين الدف والمزمار والندى في الجوقة الموسيقية؛ بل إن هذا التناغم هو الذي يفسح الجو للصداقة أكثر مما يفسح لها الاتحاد؛ ثم الاشتراك في الغرض معناه أن يكون للمتصادقين نوع من الغاية المتحدة يسعون لتحقيقها، وتدعوهم هذه الغاية إلى تعلم خلق الأخذ والعطاء، وهو خلق لا بد منه في تكوين الصداقة؛ ويتجلى هذا المعنى - معنى الاشتراك في الغرض وتبادل الأخذ والعطاء - في المتصادقين من حزب سياسي واحد، أو حزب اجتماعي، أو لجنة من لجان الخدمة العامة.
ثم إذا استعرضنا الصداقات وجدناها أشكالا وألوانا، فهي كدرجات في سلم طويل، تبتدئ بالمعرفة، وتنتهي بالعشق والهيام، وبين هاتين درجات لا عد لها؛ ثم هناك طباع تصادق من أول نظرة، وطباع متحفظة لا تصادق إلا ببطء وذلك أدعى أن تحتفظ أيضا بصداقتها ببطء.