تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم هذا الإعجاب من جانب قد يكون مناقضا للإعجاب من الجانب الآخر، فيكون أدعى إلى التصادق؛ فإذا كنت حسن الحديث، وكان صديقك حسن الاستماع، وأعجبت به لحسن استماعه، وأعجب بك لحسن حديثك، كان ذلك سببا من أسباب الصداقة، إذ تلاقت فيكما الرغبتان، قد شعرت أنت بمركب النقص عندك في الرغبة الكلامية، وأحس هو بمركب النقص في الرغبة السكوتية، فأعجب كل منكما بصاحبه لأنه يكمل نقصه. فليس صحيحا دائما أن شبيه الشيء منجذب إليه، بل قد يكون التناقض سبب الانجذاب، كالكهرباء السالبة والموجبة؛ ومثل هذا في الحياة الواقعية كثير، فكثيرا ما يقع اختيار الزوج على زوجته لأنه غضوب وهي حليمة، أو هو مسرف وهي مقتصدة، أو هو رزين وهي مرحة، أو نحو ذلك أو عكس ذلك ثم يكون الزواج موفقا، وسبب التوفيق هذا التناقض؛ ولو كان الزوجان غضوبين أو مسرفين أو رزينين، لكانت عيشتهما لا تطاق، فخير أن ينضم إلى النار ماء، من أن ينضم إلى النار نار؛ ومن هذا ترى - يا أخي - أن عجبك من اختلاف الأصدقاء في الطبع والمزاج يساوي عجبك من تصورك أن الصداقة تتطلب الاتحاد في الميول دائما.

فأساس الصداقة - كما ذكرت - الإعجاب، وليس الاتحاد في موضوع الإعجاب؛ ومصداق ذلك أنك ترى بعض الناس تغلب عليهم عقيدة أن الناس كلهم أشرار خائنون لا شرف لهم، وأن ما يصدر عنهم مما يظن فيه الخير والمنفعة العامة ليس إلا خداعا يسترون به أنانيتهم وحبهم لأنفسهم، أمثل هؤلاء لا يستطيعون أن يصادقوا لأنهم فقدوا الإعجاب، ففقدوا بفقده الصداقة.

وقد تتم الصداقة بين شخصين أو أكثر، وتتأكد الصداقة بتأكيد الإعجاب، فإذا فتر الإعجاب فترت الصداقة.

وليس دائما أن تكون الصداقة مبنية على الإعجاب بالنيل والفضل والأخلاق الجميلة: فقد تكون الصداقة صداقة شريرة مبنية على الإجرام، أو على شرب الخمر، أو تعاطي كيف من الكيوف، وقد تكون صداقة نبيلة أساسها البطولة أو النبوغ أو الفضيلة، وسواء كان هذا أو ذاك فالأساس هو الإعجاب؛ فالمتصادقان على احتساء الخمر سبب صداقتهما إعجاب كل بمقدرة الآخر على السكر، وتلذذه من أن يرى صاحبه عونا له على بلوغ غايته، ونحو ذلك.

ومما يساعد على الصداقة ويقويها الإيثار والتضحية، ومما يضعفها الأثرة والأنانية؛ فمحب نفسه جدا لا يمكن أن يصادق، وتعليل ذلك متصل بما سبق، وهو أن الأناني جدا قل أن يرى خيرا إلا في شخصه، بل هو يكره ويمقت مواضع العظمة من غيره لأنها تشعره بنقص نفسه. ولذلك تجد خير أنواع الصداقة عند من تعاونوا على نوع من أنواع الخدمة الاجتماعية، لأن لهم غرضا واسعا خارجا عن أشخاصهم، وهو تحقيق نوع من الخير لمجتمعهم؛ فكما رأوا أن صاحبا لهم مصدر لهذا النفع زاد الإعجاب فتأكدت الصداقة.

وسكت الدكتور قليلا، فقلت: إذا كان أساس الصداقة الإعجاب فقط، وجب أن يتحقق كلما وجد، وهذا ليس بصحيح، فكثيرا ما أعجب بإنسان ولا تكون صداقة، فأنا أعجب بعدل عمر بن الخطاب، وبطولة خالد بن الوليد، وفصاحة علي ونحو ذلك، ثم لا تكون هناك صداقة؛ بل كثيرا ما يكون الإعجاب بين الأحياء ولا صداقة، فقد أعجب بعقل كاتب إنجليزي أو فرنسي، أو أسلوبه أو بطولته، وقد أعجب بإجادة ممثل على المسرح، أو بجمال غانية، أو بصوت مغن أو مغنية ثم لا تكون هناك معرفة فضلا عن صداقة كم من الناس يعجبون بصوت (عبد الوهاب) أو (أم كلثوم)، أو بكوكب من كواكب السينما ولا معرفة ولا صداقة؛ وكم من المفكرين يعجبون «بيرناردشو»، أو «ويلز» أو «برتراندرسل» أو نحوهم من الأدباء والمفكرين، وكل ما بينهم هو صلة روحية لا أستطيع أن أسميها صداقة!

بل أستطيع أن أذهب إلى أبعد من ذلك، فأرى أن الإعجاب قد يكون ومعه الكراهية والنفور لا الصداقة، فقد أعجب بفصاحة خطيب أو بلاغة أديب، ولكي أكرهه لثقل روحه؛ وأعجب بقدرة عظيم لكفايته المالية وأكرهه لأني أعلم أنه مرتش. والخلاصة أن الإعجاب وحده لا يكفي في تكوين الصداقة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٤٤