تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن أرجو أخيرا ألا يكون أخونا «د» لا يزال غاضبا. (د) :

لا! هذه فورة وقتية وزالت.

الدكتور :

لعلي أستطيع في فرصة أخرى أن أحدثك وحدك عن سيكولوجية الغضب، والأسباب التي تدعوك إليه. (د) :

كلا، لا أريد سيكولوجيتك ولا تحليلك، فأنا أعرف بنفسي منك. (أ) :

ولكن يا دكتور ، هل هذه العناصر الأربعة أساسية غير قابلة للتحول، أو يمكن تحويل عنصر إلى عنصر؟

الدكتور :

أرى أنه لا يمكن ذلك، فلا يمكن تحويل «أ» إلى «د»، ولا «ب» إلى «ج»، ولو استحال النحاس إلى ذهب. وكل ما في الأمر أن هذه العناصر الأربعة ضرورية في الحياة، نافعة للمجتمع، ولكل غرض، وكل يتخذ لإدراك غرضه أدوات وآلات ووسائل وما يصبو إليه الأخلاقي والمصلح الاجتماعي ليس أن يحول الإنسان من عنصر إلى عنصر، ولكن أن يبقى على غرضه وعنصره، ويحاول أن يجعله يتخذ من الوسائل ما يتفق وصالح المجتمع؛ فقد يتخذ صاحب الغرض وسائل خسيسة ضارة بمجتمعه لتحقيق غرضه، فيأتي المصلح ويهيئ الفرص للناس أن يتخذوا لغرضهم وسائل شريفة تفيد المجتمع. فغرض الشهرة - مثلا - والقصد إلى التسامي ليس شرا في ذاته، ولكن يتفق في هذا العنصر بعض العظماء جدا وبعض المجرمين جدا: الأول اتخذ وسائله في الشهرة الإتيان بأعمال تنفع أمته، والثاني اتخذ وسائله الإجرام، وشتان ما بينهما وإن اتحد العنصر. والنبي الذي يبعث، والمصلح الذي ينبغ، من أكبر الرجال الذين يعرفون نفسيات الأتباع، فيعرفون كيف يرشدون كلا إلى الناحية التي خلق عليها من غير أن يغيروا من تكوينهم الأساسي، وعنصرهم الأولي. (أ) :

ولكن يا دكتور كيف تسنى لهذه العناصر المتباينة أن تتصادق؟ فنحن كما حللتنا ماء ونار، وحرارة وبرودة، وعذوبة وملوحة، ومع ذلك نحن أصدقاء متحابون لا يستغني بعضنا عن بعض، ونشعر كأننا عروة لا تنفصم، ووحدة لا تتجزأ؛ إذا غضب أحدنا لا يلبث أن يصفو، وكان مقتضى الظاهر أن نتخاصم وأن نتعادى، لا أن نتصافى.

الدكتور :

لهذا أيضا سبب سيكولوجي عميق يرجع إلى أصول أبانها علماء تحليل النفس، فهل أنتم على استعداد للبقاء هنا إلى الصباح؟ (أ) :

لا، ولكن على أن تعدني أن نتقابل غدا وحدنا إذا علق الآخرون عائق فتحدثني عن سر ذلك!

الدكتور :

وهو كذلك.

وكانت الساعة قد بلغت الثانية صباحا، وقد تسلطن القمر في عرشه، فركبنا سيارتنا وعدنا من حيث أتينا.

ولما عدت إلى بيتي أبيت إلا أن أقيد أهم ما كان، حتى لا يطويه النسيان.

| في الهواء الطلق (6)

تلاقينا كما تواعدنا، وكنت والدكتور وحدنا، فلم أشأ أن أشعب الحديث، واقتحمت الموضوع اقتحاما، فقلت: حدثني - إذن - كيف تكون الصداقة مع اختلاف الطباع والأمزجة والثقافة؛ وقديما قالوا: شبيه الشيء منجذب إليه - وقالوا: حدثني من صديقك أحدثك من أنت! ولذلك حيرني أمر جمعيتنا بالأمس؛ فقد رأينا فيها متدينا ومن لا يأبه بدين، ورجلا نظريا ورجلا عمليا، ورجلا يحكم بالعقل، ورجلا يحكم بالعاطفة، وحليما وغضويا، ومتفلسفا ورجل مال؛ فكيف أتفق لهؤلاء أن يتصادقوا، وأن تنعقد بينهم الألفة على اختلاف منازعهم ومشاربهم؟

الدكتور: لقد علمتنا التجارب أن الصداقة تفرخ تحت حرارة الإعجاب، فما لم يكن إعجاب لم تكن صداقة؛ فأنت تعجب بصديقك من ناحية ما، أو من جملة نواح، وهو كذلك. وهذا الإعجاب من شأنه توسيع النفس والشعور باللذة فيما تعجب به، فأنت تتغذى من صديقك بالنواحي التي أعجبت بها، وتتلذذ هذا الغذاء، وتشعر أن نفسك اتسعت لتتشرب نفسه، وهو يشعر هذا الشعور نحوك؛ وقد تضحي ببعض فوائدك ومسراتك من أجله، ولكن هذه التحضية في الواقع ليست إلا تضحية لذة للذة أكبر منها؛ فأنت تضحي - مثلا - بشيء من راحتك أو مالك لصديقك لتنعم بلذة أكبر منها، وهي ما تتلذذه من مواضع الإعجاب، أو ما تتلذذه من تضحية صديقك لك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٤٣